البند الأول:
أولاً: مشروع ورقة تأسيسية للجمعية المسماة
"التجمع الديمقراطي العلماني في لبنان"
الخارج والداخل: جدلية العلاقة
كل استقلال ٍ يكون نسبياً، هذه حقيقة تشمل حتى الكيانات العريقة في استقلالها. بما يُبقي كل كيان عرضة لتأثيرات تفده من خارج ما، كبرت هذه التأثيرات أو صغرت.
السِمة الخاصة للبنان هي إن العوامل المقرِّرة لنشأته، ثم استقلاله، والتي تمخضت عن رغبتين: داخلية وخارجية، لا تزال تملك ذات الفاعلية ما يمكـّنها من القدرة على إعادة النظر في "قرار" النشأة، ومن ملامسة مسألتي الوحدة والسيادة. وتبعاً لذلك ظلّ الخارج حاضراً يتلقف دعوات "داخل ٍ ما" للاستنصار و"ناضراً" يتدخل في تشكيل اتجاهات الدواخل كلها، ومع كل وافد كانت طوائف تفتح ذراعيها مرحبة وأخرى ترفع قبضاتها متوعدة، وحيال كل آفل كانت تلوح أياد مودعة وتنتصب أخرى في حركة تشفٍ ماكر.
والحال لم ينجز اللبنانيون، على امتداد العقود التي أعقبت نشأة كيانهم، ما يحسم بشكل قاطع موضوع استقلالهم كوطن. يتساوى في تبيان ذلك طروحات إنكار شرعية الكيان اللبناني "واعتباره نتاج التجزئة الكيانية الاستعمارية" وصولاً إلى اعتباره جزءاً من مدى أشمل، مع طروحات الفيدرالية و"تفصيل" لبنان على مقاس طوائفه. وبذلك لازم الاستقلال الوطني نظريتان- مقتلان: واحدة ترسم للبلد أعباء لا طاقة له على حملها وأخرى تتوهم له نأياً غير واقعي عن المحيط، ولكلٍ من النظرتين خارج يقبل ويدعم، وآخر يرفض ويواجه.
الغائب إذن، تسوية تنتقل من الحسم في الاستقلال الوطني إلى تعريف علاقات لبنان بمحيطه، تسوية موضوعية تأخذ بحقائق التاريخ وتفتح قنوات التنفس من الرئة العربية الأشمل. ولا يمكن لهكذا تسوية أن تؤسس على مقرر ٍ أوحد: العداء لإسرائيل والتغاضي عن تدخلات "الأقربين"، يُقابله العداء لسوريا واللعثمة حيال إسرائيل... تسوية تراعي هواجس ومخاوف المجموعات وتحيلها إلى حاجات عامة، ثم تقيم موازنة بين الموجبات القومية العامة وقدرة البلد على الحَمل، والموازنة بين أكلاف الحَمل وأهدافه.
وتسوية كهذه لا تحتمل الاستسهال والشطحات، ولا مجال معها لقلب الأولويات، تنطلق من أن الاحتلال وليس سلاح المقاومة هو العبء، ما يُغلـّب أهمية سياسة دفاعية تردع الاعتداءات الإسرائيلية المتوالية منذ نشأة الكيان العدو، وتحول دون بقاء لبنان ساحة ملتهبة يخوض نيابة عن آخرين ما يحفظ بصيص اعتراضهم الخامد.
ووحدها هذه التسوية الوطنية تعيد تعريف الأصدقاء، وتتطلب احتضانا دولياً لصونها ورعايتها، بدلاً من موجات الدعم الخارجي المقنن والموّزع على الطوائف.. وهذه التسوية تفتح الباب أمام الجميع ليدلوا بدلوهم في رفض السيطرة الخارجية، المستندة ابداً إلى رغبة وقابلية بنى الداخل، وقي إعادة الاعتبار للحداثة والديمقراطية كشرطين لا غنى عنهما في هذه المواجهة، وكنموذج ٍ يمكن تعميمه لمواجهة الاستبداد، بديلاً لدعوات الغزو الخارجي.
على هذه الأرض يقف "التجمع الديمقراطي العلماني في لبنان"، فيدرك كم هي ملحـّة حاجة اللبنانيين إلى تسوية تدرأ التفكك عن وحدتهم الهشة، القابعة وسط بحر متلاطم من الأزمات يكاد يطيح بكيانات أكثر تماسكاً وأشد بنياناً. وبذلك يعيد التجمع الاعتبار إلى الدور المحوري الذي تلعبه العوامل الداخلية في الأزمة، رافضاً أن يصنّف نصف اللبنانيين عملاء لهذ الخارج ونصفهم الآخر عملاء لذاك..
تسوية تكفل الانتقال بلبنان من ساحة إلى وطن، وتبقى كلفة التنازلات المؤدية إليها أقل بما لا يقاس من كلفة الانهيار العام.
ميادين مدنية
على خطٍ موازٍ، وفي الإنتقال من الكليات إلى الجزئيات، يُعنى التجمع بتكوين وتعميم ثقافة تهدف إلى تثبيت العلمنة كفكرة مقابل التراث الخصب لخصومها، ويسعى للإضاءة على الميادين المدنية الممكنة لعملٍ ديمقراطي علماني. تنطلق من الإيمان بقدرة الإنسان على تدبر أموره دون وصاية من أحد، وعلى أهليته للانخراط في تطوير وتنظيم الحياة المشتركة مع الآخرين. وبهذا يصبح للعلمنة مفهوماً أشمل، التطلع إلى مكانة الإنسان وإلى عيشه بكرامة وحرية، ضمن منظومة تسّن فيها القوانين للأفراد وليس للطوائف، وتبنى على الحقوق الأساسية للفرد، بدءاً من حقه في السكن والتنقل والتعلم والمساءلة والمحاسبة والعمل والبيئة السليمة، وصولاً إلى حقوقه في نيل الحماية عبر دولة اجتماعية تضمن للناس مستوى لائق من الحياة المادية في حالات البطالة والإعاقة والمرض والشيخوخة، دولة التكافل الاجتماعي المتناسب مع القدرات الواقعية للأفراد والشرائح. ويرفض هذا المفهوم الحدّ من حرية الإنسان، وينشد إخراجه من شرنقة الحقول الإدراكية الضيقة لجماعاته الأولية، التي تمارس أشكالاً من العنف بالمباشر أو الرمزي، ويأمل تجاوزها إلى فضاءات رحبة تزيد من رفاهية البشر وسعادة الإنسان.. فضاءات ديمقراطية تؤسس لتنمية بشرية مستدامة من شأنها تمكين الأفراد من الاضطلاع بأدوراهم في مجتمع منتج.
البنية التنظيمية:
انطلاقاً مما سبق، يصبح التجمع ملتقى افراد متوافقين على أن الحل الديمقراطي العلماني يمكن أن يشكّل سبيلاً لخلاص لبنان، وبذلك يشكل التجمع منبراً حراً لنقاش وإغناء الأفكار المتمحورة حول هذا الحل. ويكون فيه لجميع الآراء ذات الفرصة والمساحة. ولا يشكل إطاراً حزبياً ضيقاً، إذ يمكن ان يشكل ملتقى لمستقلين أو أعضاء في أحزاب، ويحرص التجمع على حثِّ الجميع على التعبير وعلى الاشتراك في النقاش.
الوسائل والأهداف:
لا يُمثل التجمع أي أفراد أو شرائح، حدوده هي الطاقات التي يحملها الأفراد المنضوين فيه. وبذلك يتوافق أعضاؤه على قصر نشاطهم على نقاش ونشر الأفكارحول ظروف وإمكانات الحل العلماني الديمقراطي في لبنان، وذلك عبر ما يلي:
1) الانطلاق من بديهية أن ما أنجزه التجمع من أوراق (قاربت العشرين) لا يزعم الفصل فيما تطرق إليه. وبالتالي ليس لدى التجمع ثوابت، سوى خيار الإنحياز إلى مجتمع أكثر عدالة وأكثر إنسانية.
2) نشر وتعميم الثقافة الديمقراطية العلمانية، والإفادة من الإبداعات التي أفرزتها العلوم الإنسانية على هذا الصعيد.
3) في التمثيل السياسي
حيال الأزمة السياسية يدرك التجمع أهمية وثيقة الوفاق الوطني المعروفة بــ "اتفاق الطائف" وذلك لأن ذاكرة اللبنانيين لا تزال تدرك جيداً مدى الأهوال التي سبقت هذا الاتفاق، إذ بات من المعلوم أنه مع كل تعسر في المحطات التي أفضت إليه، كانت جولات العنف الدامي تحضر توكيداً لـ "ثوابت" هذا الطرف أو دحضاً لطروحات ذاك. وبالتالي فإن هذا الاتفاق، الذي يشكـّل إطاراً مرجعياً، يزيد من اهميته العسر الشديد الملازم لولادته.
وفي هذا الجانب يؤكد التجمع على تطبيق اتفاق الطائف لجهة تمثيل اللبنانيين عبر إنشاء مجلس نيابي غير طائفي يتم انتخابه على أساس المحافظة كدائرة انتخابية، ويرى أن تكون المواطنة والنسبية قاعدتين أساسيتين في هذا الانتخاب هذا من جهة، وعبر إنشاء مجلس شيوخ يتمثل فيه اللبنانيون وفقاً لمناطقهم وطوائفهم وعلى أساس الدائرة الفردية من جهة ثانية.
انتخاب رئيس الجمهورية عبر الاقتراع الشعبي المباشر.
تنظيم الانتخابات وفقاً لمعايير عصرية بما يوسع الفرص أمام الجميع وذلك عبر إلغاء الضمانة المالية وتنظيم الإعلام والدعاية وتخفيض سن الاقتراع.
4) على صعيد القضاء: إلغاء وصاية السلطة السياسية وحصر صلاحية وزير الوصاية، وانتخاب السلطة القضائية بالاقتراع السري المباشر وجعل هذه السلطة المرجع الوحيد لتنظيم وإدارة عمل القضاء والإشراف على تطبيق وتنظيم الأحكام وحفظ الحقوق الإنسانية للمساجين وإدارة معهد القضاة.
5) وضع قانون اختياري للأحوال الشخصية وللزواج المدني.
6) إصلاح الإدارة عبر إلغاء طائفية الوظيفة وتفعيل الهيئات الرقابية واعتماد أسس الكفاءة والتراهة، وكفّ يد السياسيين وإقرار حرية العمل النقابي في القطاع العام.
في الوسائل:
· توعية الفرد على المواطنة وعلى التواصل مع الآخر واحترام معتقده والدفاع عن حرياته الأساسية.
· نقاش الآراء التي يمكن أن تشكّل إسهاماً فعلياً في الإضاءة على الأهداف التي يصبو إليها التجمع، واستضافة أكاديميين وباحثين وفاعلين اجتماعيين من أصحاب الباع في هذا الجانب.
· تعزيز ثقافة الحوار واعتماد الوسائل غير العنفية لإدارة النزاعات.
· العمل على كشف الجوانب الثقافية والتراثية التي تحثّ على قيم السلم والتواصل.
· قيام نشاطات حقلية وميدانية بهدف تبسيط وتعميم ثقافة الحوار وحق الإختلاف، ونقلها بما يتناسب مع مختلف الفئات العمرية والمستويات العلمية.
خاتمة:
المحاولة تنطوي على بعض التجريب، لكنها ليست عمل هواة ولا طلاب مواقع، هي محاولة تقتضي أعلى درجات التواضع وقبول مشاق الحفر بإبرة، بحثاً عن بصيص نور في هذا السد المنتصب حاجزاً دون تطورلبنان ووضعه على سكه الحداثة والعصر. وهي عمل قاعدي حقيقي حسم أصحابه في تكريس الديمقراطية ناظماً لتواصلهم كشرط ضروري لنيلهم حق المناداة بها حلاً لمجتمعاتهم.
هي مهمة شاقة لكنها تستحق العناء كونها تدور على الميادين الصحيحة، فيما لن تبقي عملية صوغ مبررات الالتحاق الدائم بالطوائف، لأصحابها سوى الزعم والادعاء، وتحيلهم ديكورات تبرزها الطوائف لإخفاء زيفها وحقيقة أهدافها.
محاولةٌ يزيد من وجاهتها حقيقة أن خانة الديمقراطيين العلمانيين شاغرة، إذ لم يشهد لبنان محاولات جدية لتأسيس حركة علمانية مستقلة، وظلت العلمنة ملحقاً ثانوياً معتبرا بمثابة تحصيل الحاصل في برامج تغيير سرعان ما تبين أنها تقفز فوق الواقع.
جاء في بيان حكومة الاستقلال الأولى بأن الساعة التي يمكن فيها إلغاء الطائفية "هي ساعة يقظة وطنية مباركة في تاريخ لبنان وسنسعى لكي تكون هذه الساعة قريبة بإذن الله".
هل كان في الأمر تبسيط؟ أم أن ما بدا ممكناً في أربعينات القرن الماضي صار عزيز المنال في وقتنا الحالي؟ بأية حال، وعلى رغم التعسر، نمنن النفس بما شهده الوطن من فترات تواصل، وندرك أن الاختلال، الذي يتغذى من قابليات بنى موروثة ومتأصلة ومتجذرة، يحتاج عند كل عتبة انفجار إلى جهدٍ مضنٍ، غير مشكور، من التحضير وإعداد القوى. فكيف بالمسألة النقيض، مسألة تجاوز هذا العسر إلى اندماج اللبنانيين في مجتمعٍ مدني عصري ٍ متعدد، أليست مرهونة بإيجاد القوى التي ستتولى خلق وابتداع الديناميات البديلة؟.
أولاً: مشروع ورقة تأسيسية للجمعية المسماة
"التجمع الديمقراطي العلماني في لبنان"
الخارج والداخل: جدلية العلاقة
كل استقلال ٍ يكون نسبياً، هذه حقيقة تشمل حتى الكيانات العريقة في استقلالها. بما يُبقي كل كيان عرضة لتأثيرات تفده من خارج ما، كبرت هذه التأثيرات أو صغرت.
السِمة الخاصة للبنان هي إن العوامل المقرِّرة لنشأته، ثم استقلاله، والتي تمخضت عن رغبتين: داخلية وخارجية، لا تزال تملك ذات الفاعلية ما يمكـّنها من القدرة على إعادة النظر في "قرار" النشأة، ومن ملامسة مسألتي الوحدة والسيادة. وتبعاً لذلك ظلّ الخارج حاضراً يتلقف دعوات "داخل ٍ ما" للاستنصار و"ناضراً" يتدخل في تشكيل اتجاهات الدواخل كلها، ومع كل وافد كانت طوائف تفتح ذراعيها مرحبة وأخرى ترفع قبضاتها متوعدة، وحيال كل آفل كانت تلوح أياد مودعة وتنتصب أخرى في حركة تشفٍ ماكر.
والحال لم ينجز اللبنانيون، على امتداد العقود التي أعقبت نشأة كيانهم، ما يحسم بشكل قاطع موضوع استقلالهم كوطن. يتساوى في تبيان ذلك طروحات إنكار شرعية الكيان اللبناني "واعتباره نتاج التجزئة الكيانية الاستعمارية" وصولاً إلى اعتباره جزءاً من مدى أشمل، مع طروحات الفيدرالية و"تفصيل" لبنان على مقاس طوائفه. وبذلك لازم الاستقلال الوطني نظريتان- مقتلان: واحدة ترسم للبلد أعباء لا طاقة له على حملها وأخرى تتوهم له نأياً غير واقعي عن المحيط، ولكلٍ من النظرتين خارج يقبل ويدعم، وآخر يرفض ويواجه.
الغائب إذن، تسوية تنتقل من الحسم في الاستقلال الوطني إلى تعريف علاقات لبنان بمحيطه، تسوية موضوعية تأخذ بحقائق التاريخ وتفتح قنوات التنفس من الرئة العربية الأشمل. ولا يمكن لهكذا تسوية أن تؤسس على مقرر ٍ أوحد: العداء لإسرائيل والتغاضي عن تدخلات "الأقربين"، يُقابله العداء لسوريا واللعثمة حيال إسرائيل... تسوية تراعي هواجس ومخاوف المجموعات وتحيلها إلى حاجات عامة، ثم تقيم موازنة بين الموجبات القومية العامة وقدرة البلد على الحَمل، والموازنة بين أكلاف الحَمل وأهدافه.
وتسوية كهذه لا تحتمل الاستسهال والشطحات، ولا مجال معها لقلب الأولويات، تنطلق من أن الاحتلال وليس سلاح المقاومة هو العبء، ما يُغلـّب أهمية سياسة دفاعية تردع الاعتداءات الإسرائيلية المتوالية منذ نشأة الكيان العدو، وتحول دون بقاء لبنان ساحة ملتهبة يخوض نيابة عن آخرين ما يحفظ بصيص اعتراضهم الخامد.
ووحدها هذه التسوية الوطنية تعيد تعريف الأصدقاء، وتتطلب احتضانا دولياً لصونها ورعايتها، بدلاً من موجات الدعم الخارجي المقنن والموّزع على الطوائف.. وهذه التسوية تفتح الباب أمام الجميع ليدلوا بدلوهم في رفض السيطرة الخارجية، المستندة ابداً إلى رغبة وقابلية بنى الداخل، وقي إعادة الاعتبار للحداثة والديمقراطية كشرطين لا غنى عنهما في هذه المواجهة، وكنموذج ٍ يمكن تعميمه لمواجهة الاستبداد، بديلاً لدعوات الغزو الخارجي.
على هذه الأرض يقف "التجمع الديمقراطي العلماني في لبنان"، فيدرك كم هي ملحـّة حاجة اللبنانيين إلى تسوية تدرأ التفكك عن وحدتهم الهشة، القابعة وسط بحر متلاطم من الأزمات يكاد يطيح بكيانات أكثر تماسكاً وأشد بنياناً. وبذلك يعيد التجمع الاعتبار إلى الدور المحوري الذي تلعبه العوامل الداخلية في الأزمة، رافضاً أن يصنّف نصف اللبنانيين عملاء لهذ الخارج ونصفهم الآخر عملاء لذاك..
تسوية تكفل الانتقال بلبنان من ساحة إلى وطن، وتبقى كلفة التنازلات المؤدية إليها أقل بما لا يقاس من كلفة الانهيار العام.
ميادين مدنية
على خطٍ موازٍ، وفي الإنتقال من الكليات إلى الجزئيات، يُعنى التجمع بتكوين وتعميم ثقافة تهدف إلى تثبيت العلمنة كفكرة مقابل التراث الخصب لخصومها، ويسعى للإضاءة على الميادين المدنية الممكنة لعملٍ ديمقراطي علماني. تنطلق من الإيمان بقدرة الإنسان على تدبر أموره دون وصاية من أحد، وعلى أهليته للانخراط في تطوير وتنظيم الحياة المشتركة مع الآخرين. وبهذا يصبح للعلمنة مفهوماً أشمل، التطلع إلى مكانة الإنسان وإلى عيشه بكرامة وحرية، ضمن منظومة تسّن فيها القوانين للأفراد وليس للطوائف، وتبنى على الحقوق الأساسية للفرد، بدءاً من حقه في السكن والتنقل والتعلم والمساءلة والمحاسبة والعمل والبيئة السليمة، وصولاً إلى حقوقه في نيل الحماية عبر دولة اجتماعية تضمن للناس مستوى لائق من الحياة المادية في حالات البطالة والإعاقة والمرض والشيخوخة، دولة التكافل الاجتماعي المتناسب مع القدرات الواقعية للأفراد والشرائح. ويرفض هذا المفهوم الحدّ من حرية الإنسان، وينشد إخراجه من شرنقة الحقول الإدراكية الضيقة لجماعاته الأولية، التي تمارس أشكالاً من العنف بالمباشر أو الرمزي، ويأمل تجاوزها إلى فضاءات رحبة تزيد من رفاهية البشر وسعادة الإنسان.. فضاءات ديمقراطية تؤسس لتنمية بشرية مستدامة من شأنها تمكين الأفراد من الاضطلاع بأدوراهم في مجتمع منتج.
البنية التنظيمية:
انطلاقاً مما سبق، يصبح التجمع ملتقى افراد متوافقين على أن الحل الديمقراطي العلماني يمكن أن يشكّل سبيلاً لخلاص لبنان، وبذلك يشكل التجمع منبراً حراً لنقاش وإغناء الأفكار المتمحورة حول هذا الحل. ويكون فيه لجميع الآراء ذات الفرصة والمساحة. ولا يشكل إطاراً حزبياً ضيقاً، إذ يمكن ان يشكل ملتقى لمستقلين أو أعضاء في أحزاب، ويحرص التجمع على حثِّ الجميع على التعبير وعلى الاشتراك في النقاش.
الوسائل والأهداف:
لا يُمثل التجمع أي أفراد أو شرائح، حدوده هي الطاقات التي يحملها الأفراد المنضوين فيه. وبذلك يتوافق أعضاؤه على قصر نشاطهم على نقاش ونشر الأفكارحول ظروف وإمكانات الحل العلماني الديمقراطي في لبنان، وذلك عبر ما يلي:
1) الانطلاق من بديهية أن ما أنجزه التجمع من أوراق (قاربت العشرين) لا يزعم الفصل فيما تطرق إليه. وبالتالي ليس لدى التجمع ثوابت، سوى خيار الإنحياز إلى مجتمع أكثر عدالة وأكثر إنسانية.
2) نشر وتعميم الثقافة الديمقراطية العلمانية، والإفادة من الإبداعات التي أفرزتها العلوم الإنسانية على هذا الصعيد.
3) في التمثيل السياسي
حيال الأزمة السياسية يدرك التجمع أهمية وثيقة الوفاق الوطني المعروفة بــ "اتفاق الطائف" وذلك لأن ذاكرة اللبنانيين لا تزال تدرك جيداً مدى الأهوال التي سبقت هذا الاتفاق، إذ بات من المعلوم أنه مع كل تعسر في المحطات التي أفضت إليه، كانت جولات العنف الدامي تحضر توكيداً لـ "ثوابت" هذا الطرف أو دحضاً لطروحات ذاك. وبالتالي فإن هذا الاتفاق، الذي يشكـّل إطاراً مرجعياً، يزيد من اهميته العسر الشديد الملازم لولادته.
وفي هذا الجانب يؤكد التجمع على تطبيق اتفاق الطائف لجهة تمثيل اللبنانيين عبر إنشاء مجلس نيابي غير طائفي يتم انتخابه على أساس المحافظة كدائرة انتخابية، ويرى أن تكون المواطنة والنسبية قاعدتين أساسيتين في هذا الانتخاب هذا من جهة، وعبر إنشاء مجلس شيوخ يتمثل فيه اللبنانيون وفقاً لمناطقهم وطوائفهم وعلى أساس الدائرة الفردية من جهة ثانية.
انتخاب رئيس الجمهورية عبر الاقتراع الشعبي المباشر.
تنظيم الانتخابات وفقاً لمعايير عصرية بما يوسع الفرص أمام الجميع وذلك عبر إلغاء الضمانة المالية وتنظيم الإعلام والدعاية وتخفيض سن الاقتراع.
4) على صعيد القضاء: إلغاء وصاية السلطة السياسية وحصر صلاحية وزير الوصاية، وانتخاب السلطة القضائية بالاقتراع السري المباشر وجعل هذه السلطة المرجع الوحيد لتنظيم وإدارة عمل القضاء والإشراف على تطبيق وتنظيم الأحكام وحفظ الحقوق الإنسانية للمساجين وإدارة معهد القضاة.
5) وضع قانون اختياري للأحوال الشخصية وللزواج المدني.
6) إصلاح الإدارة عبر إلغاء طائفية الوظيفة وتفعيل الهيئات الرقابية واعتماد أسس الكفاءة والتراهة، وكفّ يد السياسيين وإقرار حرية العمل النقابي في القطاع العام.
في الوسائل:
· توعية الفرد على المواطنة وعلى التواصل مع الآخر واحترام معتقده والدفاع عن حرياته الأساسية.
· نقاش الآراء التي يمكن أن تشكّل إسهاماً فعلياً في الإضاءة على الأهداف التي يصبو إليها التجمع، واستضافة أكاديميين وباحثين وفاعلين اجتماعيين من أصحاب الباع في هذا الجانب.
· تعزيز ثقافة الحوار واعتماد الوسائل غير العنفية لإدارة النزاعات.
· العمل على كشف الجوانب الثقافية والتراثية التي تحثّ على قيم السلم والتواصل.
· قيام نشاطات حقلية وميدانية بهدف تبسيط وتعميم ثقافة الحوار وحق الإختلاف، ونقلها بما يتناسب مع مختلف الفئات العمرية والمستويات العلمية.
خاتمة:
المحاولة تنطوي على بعض التجريب، لكنها ليست عمل هواة ولا طلاب مواقع، هي محاولة تقتضي أعلى درجات التواضع وقبول مشاق الحفر بإبرة، بحثاً عن بصيص نور في هذا السد المنتصب حاجزاً دون تطورلبنان ووضعه على سكه الحداثة والعصر. وهي عمل قاعدي حقيقي حسم أصحابه في تكريس الديمقراطية ناظماً لتواصلهم كشرط ضروري لنيلهم حق المناداة بها حلاً لمجتمعاتهم.
هي مهمة شاقة لكنها تستحق العناء كونها تدور على الميادين الصحيحة، فيما لن تبقي عملية صوغ مبررات الالتحاق الدائم بالطوائف، لأصحابها سوى الزعم والادعاء، وتحيلهم ديكورات تبرزها الطوائف لإخفاء زيفها وحقيقة أهدافها.
محاولةٌ يزيد من وجاهتها حقيقة أن خانة الديمقراطيين العلمانيين شاغرة، إذ لم يشهد لبنان محاولات جدية لتأسيس حركة علمانية مستقلة، وظلت العلمنة ملحقاً ثانوياً معتبرا بمثابة تحصيل الحاصل في برامج تغيير سرعان ما تبين أنها تقفز فوق الواقع.
جاء في بيان حكومة الاستقلال الأولى بأن الساعة التي يمكن فيها إلغاء الطائفية "هي ساعة يقظة وطنية مباركة في تاريخ لبنان وسنسعى لكي تكون هذه الساعة قريبة بإذن الله".
هل كان في الأمر تبسيط؟ أم أن ما بدا ممكناً في أربعينات القرن الماضي صار عزيز المنال في وقتنا الحالي؟ بأية حال، وعلى رغم التعسر، نمنن النفس بما شهده الوطن من فترات تواصل، وندرك أن الاختلال، الذي يتغذى من قابليات بنى موروثة ومتأصلة ومتجذرة، يحتاج عند كل عتبة انفجار إلى جهدٍ مضنٍ، غير مشكور، من التحضير وإعداد القوى. فكيف بالمسألة النقيض، مسألة تجاوز هذا العسر إلى اندماج اللبنانيين في مجتمعٍ مدني عصري ٍ متعدد، أليست مرهونة بإيجاد القوى التي ستتولى خلق وابتداع الديناميات البديلة؟.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق