قانون الانتخابات النيابية
الطوائف اللبنانية وتنظيم علاقات التجاور والاقتسام
بخطى وئيدة تتقدم المصالحات داخل الطوائف اللبنانية، وتبدو مرشحة لبلوغ مراحلها الأصعب عبر "لقاء القمة" المرتقب على ضفتها الإسلامية، الأمر الذي يؤمل منه أن يشكل حافزاً لإنجازٍ مماثل على الضفة المسيحية. وكان جلياً، أن "المصالحات الإسلامية" قد جرى التمهيد لها - حيث لزم الأمر- بمراحل تحضيرية داخل كل طائفة، انطوت على اعتراف ببعض التنوّع داخل الطائفتين السنية والدرزية، وهو اعتراف يأتي بمثابة الثمن المدروس الذي يمكن دفعه من أجل تكريس وحدانية الزعامة التي تنتفي لأجلها كل الفوارق السياسية. وتالياً، فإن هذا الاعتراف يشبه الحرية النسبية الممكن منحها للـ "أفخاذ" و "البطون" شرط إبداء ولائها العام للعشيرة، أما على المحور الشيعي، فإن الاطمئنان إلى منسوب العصبية المتوفر لم يبرز الحاجة لأي مصالحة.
وبذلك اختتمت المصالحات المنجزة ردحاً من علاقات التنافر والاحتراب الأهلي، دام لنحو سنتين وانتهى إلى رسم وتعيين الحدود بين الطوائف. وهو احتراب يحمل دعواه بنفسه: جنوح بعض الطوائف إلى الغلبة يعتبر بمثابة الخروج على التوازن اللبناني التقليدي، وبالتالي لكل جماعة لبنانية القدرة على الطعن والتشكيك، بل ونسف، هذا التوازن متى اعتبرت نفسها خارج تقديماته ومنافعه.
كما شكّلت هذه المصالحات الأرضية الضرورية لتطبيق "اتفاق الدوحة"، وما حمله من حلول تنقل النزاعات إلى داخل المؤسسات. وفي هذا السياق شُرّعت أبواب المجلس النيابي ليتمخّض عنه بعد طول "صيام" القانون الناظم للانتخابات النيابية المقبلة المعروف بقانون العام 1960.
إذ تنص " وثيقة الوفاق الوطني" على مرحلة أوّلية "تكون فيها الدائرة الانتخابية هي المحافظة" على أن تمهّد هذه المرحلة لوضع قانون نسبي خارج القيد الطائفي، وعلى "ضرورة إجراء الانتخابات النيابية بما يراعي العيش المشترك بين اللبنانيين، ويؤمّن صحة التمثيل السياسي لشتّى فئات الشعب وأجياله، وفعّالية ذلك التمثيل بعد إعادة النظر في التقسيم الإداري في إطار وحدة الأرض والشعب والمؤسسات". فإن قانون الستين، خلافاً لتلك الوثيقة الطموحة، قد عاد بنا القهقرى، ليعتمد القضاء كتقسيم إداري- القضاء بما هو أرض تجانس طائفي شبه صافٍ، ما سيفرز انتخابات معروفة النتائج إلى حدٍّ كبير، بحيث تأتي هذه النتائج حاصل جمعي للغلبات الطائفية المعيّنة على مناطق بعينها. أما أمر بعض المقاعد في مناطق الاختلاط الطائفي، فقد يبقى متروكاً للمقايضة، أو هو قابل للتعويض في أسوأ الأحوال.
والحال، نستطيع المجازفة بالتوقع في أن الانتخابات الموعودة لن تحمل أي انقلابات دراماتيكية في وزن الكتلتين الطائفيتين الأبرز، وهذا سيشكـّل بدوره استمراراً لغياب المرونة في النظام الطائفي، وإمعاناً في هشاشة قدرته على توليد الحلول والتسويات. خصوصاً إن اقتراب الموسم الانتخابي سيشهد المزيد من استشارة الحساسيات المذهبية كوسيلة تتقنها الطوائف وترقن إلى جدواها. أما الحديث عن نصر محاور وهزيمة أخرى، فهو أمر تأتي الإجابة عليه من موروث هذا النظام: عند حسابات الربح والخسارة، تملك الطوائف من "الرشاقة" ما يمكّنها من ترك هذا الخيار والانحياز بيسر إلى ذاك.
إن سلوك الطوائف بإقرارها لقانون الستين إنما يعطف على تراث قديم، مخالف لكل الأعراف والتقاليد الديمقراطية، التي تشكل معها الانتخابات محطة لتجديد وتداول السلطة. بحيث تنبثق السلطة التنفيذية، التي تتولى قيادة البلاد بين دورتي انتخاب عن سلطة تشريعية، منتخبة بحرية، تمثل أمامها وتسعى لنيل ثقتها وتخضع لرقابتها. الاستثناء اللبناني جعل الانتخابات مناسبة لصون السلطة التنفيذية والتمديد لها. بحيث تختار هذه السلطة، عند كل استحقاق انتخابي، القانون "الأمثل"، الذي يرعى شؤون التجاور بين طوائفها، وينسحب منطق التجاور هذا ليطال لاحقاً مجمل العلاقات الإدارية والاقتصادية والخدماتية، وليرعى نشوء شبكة من المنافع والتقديمات موازية للدولة ومتطفلة عليها.
عبّر وزير الداخلية اللبناني عن حزنه لرفض البرلمان الأخذ ببعض الجوانب الإصلاحية الناظمة لعملية الترشح والاقتراع. الأمر يتطلب مرارة أكثر، خصوصاً متى لحظنا أن هذا الاقتسام الفج لا يجمل فيه، لاشكل ورقة الاقتراع ولا الستارة، ولا الصندوق الزجاجي الشفاف.. "هذا ليس تقسيم إداري في إطار وحدة الأرض والشعب والمؤسسات"، هذا اقتسام عارٍ، الناس مدعوة فيه لتكون مجرد ديكورات في عملية شبه محسومة النتائج.
سعيد الديراني
الطوائف اللبنانية وتنظيم علاقات التجاور والاقتسام
بخطى وئيدة تتقدم المصالحات داخل الطوائف اللبنانية، وتبدو مرشحة لبلوغ مراحلها الأصعب عبر "لقاء القمة" المرتقب على ضفتها الإسلامية، الأمر الذي يؤمل منه أن يشكل حافزاً لإنجازٍ مماثل على الضفة المسيحية. وكان جلياً، أن "المصالحات الإسلامية" قد جرى التمهيد لها - حيث لزم الأمر- بمراحل تحضيرية داخل كل طائفة، انطوت على اعتراف ببعض التنوّع داخل الطائفتين السنية والدرزية، وهو اعتراف يأتي بمثابة الثمن المدروس الذي يمكن دفعه من أجل تكريس وحدانية الزعامة التي تنتفي لأجلها كل الفوارق السياسية. وتالياً، فإن هذا الاعتراف يشبه الحرية النسبية الممكن منحها للـ "أفخاذ" و "البطون" شرط إبداء ولائها العام للعشيرة، أما على المحور الشيعي، فإن الاطمئنان إلى منسوب العصبية المتوفر لم يبرز الحاجة لأي مصالحة.
وبذلك اختتمت المصالحات المنجزة ردحاً من علاقات التنافر والاحتراب الأهلي، دام لنحو سنتين وانتهى إلى رسم وتعيين الحدود بين الطوائف. وهو احتراب يحمل دعواه بنفسه: جنوح بعض الطوائف إلى الغلبة يعتبر بمثابة الخروج على التوازن اللبناني التقليدي، وبالتالي لكل جماعة لبنانية القدرة على الطعن والتشكيك، بل ونسف، هذا التوازن متى اعتبرت نفسها خارج تقديماته ومنافعه.
كما شكّلت هذه المصالحات الأرضية الضرورية لتطبيق "اتفاق الدوحة"، وما حمله من حلول تنقل النزاعات إلى داخل المؤسسات. وفي هذا السياق شُرّعت أبواب المجلس النيابي ليتمخّض عنه بعد طول "صيام" القانون الناظم للانتخابات النيابية المقبلة المعروف بقانون العام 1960.
إذ تنص " وثيقة الوفاق الوطني" على مرحلة أوّلية "تكون فيها الدائرة الانتخابية هي المحافظة" على أن تمهّد هذه المرحلة لوضع قانون نسبي خارج القيد الطائفي، وعلى "ضرورة إجراء الانتخابات النيابية بما يراعي العيش المشترك بين اللبنانيين، ويؤمّن صحة التمثيل السياسي لشتّى فئات الشعب وأجياله، وفعّالية ذلك التمثيل بعد إعادة النظر في التقسيم الإداري في إطار وحدة الأرض والشعب والمؤسسات". فإن قانون الستين، خلافاً لتلك الوثيقة الطموحة، قد عاد بنا القهقرى، ليعتمد القضاء كتقسيم إداري- القضاء بما هو أرض تجانس طائفي شبه صافٍ، ما سيفرز انتخابات معروفة النتائج إلى حدٍّ كبير، بحيث تأتي هذه النتائج حاصل جمعي للغلبات الطائفية المعيّنة على مناطق بعينها. أما أمر بعض المقاعد في مناطق الاختلاط الطائفي، فقد يبقى متروكاً للمقايضة، أو هو قابل للتعويض في أسوأ الأحوال.
والحال، نستطيع المجازفة بالتوقع في أن الانتخابات الموعودة لن تحمل أي انقلابات دراماتيكية في وزن الكتلتين الطائفيتين الأبرز، وهذا سيشكـّل بدوره استمراراً لغياب المرونة في النظام الطائفي، وإمعاناً في هشاشة قدرته على توليد الحلول والتسويات. خصوصاً إن اقتراب الموسم الانتخابي سيشهد المزيد من استشارة الحساسيات المذهبية كوسيلة تتقنها الطوائف وترقن إلى جدواها. أما الحديث عن نصر محاور وهزيمة أخرى، فهو أمر تأتي الإجابة عليه من موروث هذا النظام: عند حسابات الربح والخسارة، تملك الطوائف من "الرشاقة" ما يمكّنها من ترك هذا الخيار والانحياز بيسر إلى ذاك.
إن سلوك الطوائف بإقرارها لقانون الستين إنما يعطف على تراث قديم، مخالف لكل الأعراف والتقاليد الديمقراطية، التي تشكل معها الانتخابات محطة لتجديد وتداول السلطة. بحيث تنبثق السلطة التنفيذية، التي تتولى قيادة البلاد بين دورتي انتخاب عن سلطة تشريعية، منتخبة بحرية، تمثل أمامها وتسعى لنيل ثقتها وتخضع لرقابتها. الاستثناء اللبناني جعل الانتخابات مناسبة لصون السلطة التنفيذية والتمديد لها. بحيث تختار هذه السلطة، عند كل استحقاق انتخابي، القانون "الأمثل"، الذي يرعى شؤون التجاور بين طوائفها، وينسحب منطق التجاور هذا ليطال لاحقاً مجمل العلاقات الإدارية والاقتصادية والخدماتية، وليرعى نشوء شبكة من المنافع والتقديمات موازية للدولة ومتطفلة عليها.
عبّر وزير الداخلية اللبناني عن حزنه لرفض البرلمان الأخذ ببعض الجوانب الإصلاحية الناظمة لعملية الترشح والاقتراع. الأمر يتطلب مرارة أكثر، خصوصاً متى لحظنا أن هذا الاقتسام الفج لا يجمل فيه، لاشكل ورقة الاقتراع ولا الستارة، ولا الصندوق الزجاجي الشفاف.. "هذا ليس تقسيم إداري في إطار وحدة الأرض والشعب والمؤسسات"، هذا اقتسام عارٍ، الناس مدعوة فيه لتكون مجرد ديكورات في عملية شبه محسومة النتائج.
سعيد الديراني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق