نرحب بكم على مدونة التجمع الديمقراطي العلماني

الأربعاء، ديسمبر 10، 2008

الوثيقة التاسيسية

وثيقة
الورقة التأسيسية لجمعية
"التجمع الديمقراطي العلماني في لبنان"

عقد "التجمع الديموقراطي العلماني في لبنان" اجتماعه العام الأول في حزيران 2008، ولقد أقر فيه ورقة تأسيسية تعرف بالتجمع وأهدافه. في هذا العدد سنقدم المقطع الأول من الورقة التأسيسية.

من نحن؟
مواطنون جمعهم القلق عما آل إليه الوطن، فتنادوا إلى طرح الأسئلة عن المخارج.
نعلن تعلقنا بكل إنجاز مجيد قطعه الشعب اللبناني على طريق وحدته الشاقة والعسيرة، من ثقافته وأغنياته وأمثاله وعاداته، إلى علمه ونشيده وعُملته، وإرتقاءً إلى ضراوته في دحر العدو وشجاعته في كسر أطواق الوصاية. ونسعى لأن تكرَّس تلك الإنجازات إرثاً مشتركاً صلباً يملكه الجميع، لا نُتفاً تتوزعها الجماعات وتتوسل صرفها في أسواق الغلبة والمحاصصة.
مواطنون يحلمون بأن تكون بيوتهم مستقرات آمنة تصدِّر الإبداعات والطاقات، لا جدران مؤقتة تقيهم شرور الحروب الأهلية المتناسلة.
ويطمحون لأن ترتفع رايات دحر العدوان، مرةً واحدة إلى الأبد، فوق البيوت المزهوة، لا مرات ومرات على الأنقاض المحروقة.
نحلم بوطن تشكـّل عروبته أواصر انتماء رحب وجامع، تحترم الهويات الأخرى بصفتها مصدر غنى وترعى خصوصياتها.. وطن له من الإنجازات في حمل القضية العادلة للعرب ما يقيه خطر الإرتداد إلى مجرد ساحة مكشوفة الأهداف والمرامي.
وطن تحميه قواه المسلحة النظامية فتسيّج حدوده وتمنع الانتهاك عن أجوائه والمياه، عبر خطة تستلهم تجربة الشعب ومقاومته، وتستنير بسياسة دفاعية تحدّد العدو وتشكّـل ناظماً معيارياً لتعريف الأصدقاء.
نريده وطناً محصناً بتسوية داخلية واقعية حول الإنقطاعات الممكنة والتقاطعات الضرورية مع المحيط، بحيث لا تشي الإنقطاعات بإقفال متسرع ولا تغري التقاطعات بفتح ٍ غير محسوب. تسوية تدرأ عنه تجرع إملاءات البعيد ثمناً لرفع وصاية القريب، وتخرجه من دوامة المفاضلة بين مُقبـِل الوصايات ومُدبرها، وطن يربأ أن يتوسل فظاظة العدو رفعاً لمضاضة الشقيق.
مجموعة تدرك أن كل كيان تحكمه جدلية الصراع بين عوامل الخلل من جهة وعوامل الوحدة والتماسك من جهة ثانية، وبالتالي تجد نفسها معنية في إيجاد عوامل إضافية لهذه الوحدة اللبنانية القلقة، وفي بناء مصدر حسّي سياسي- اجتماعي، مصدر شرعية اجتماعية، لدولة ذات نصاب وطني قادر على الحكم.

الحل الطائفي المستحيل
لا نزعم نفاذ بصيرة لدينا في لحظ ما بات ماثلاً للعيان، وخلاصته أن الحل الطائفي مستحيل للبنان، إذ أن مجمل الحروب العبثية والجراحات الطائفية، وكافة أكلاف الفرز الديمغرافي، وكل ضروب تدمير الاقتصاد وتفكيك أواليات الاجتماع السياسي. لم تفض ِ جميعها لاهتداء المتنازعين إلى مكاييل دقيقة تقاس بموجبها حصص الطوائف وأنصبتها وأدوارها. وعلى الدوام كان يُفاقم في الأمر تبدلان: أحجام الطوائف ووضعيات الخارج الداعم لهذه الطائفة أو المناوئ لتلك. تبعاً لذلك، ودائماً على إيقاع انقسامات مفتوحة على أخطر الاحتمالات، فإن تركيب السلطة في الداخل وعلاقات لبنان مع المحيط الخارجي ظلا دوماً محطّ إعادة نظر.
والحال، فإن كسر تلك الحلقة الممّلة، والعبور بلبنان من تبادلية ممارسة الهيمنة ثم تلقي الغبن، التي مارستها كل طوائفه، تقتضي البحث عن حلول من خارج دائرة الأجوبة الطائفية المتناسلة من أكثر من قرن ٍ ونصف، والتي ذقنا مآسيها وسحنتنا أهوالها، حلول في كيفية دمج الأفراد في مجتمع مدني تعددي يُغلب الانتماء للوطن على كل ما عداه.
وفي هذا الجانب، لا يغيب عنا الاعتراف بأن لبنان سيبقى إلى أجل دولة طائفية أو دولة شكلتها الطوائف، فهل من سبيل للوصول إلى تسوية انتقالية تجمع بين حقوق الطوائف وحقوق الأفراد (وفي مقدمة هذه الحقوق، الحق في الخروج عن الطوائف). سيما وان التجارب علمتنا أن هذه تساعد تلك، إذ أن لبنان الذي شهد سلسلة من الاختلالات والتوازنات كانت أموره المشتركة تنتعش أوقات التوازن وتختنق إبان الاختلال.
إذا كانت التسوية تساعد في البحث عن المشترك، وعلى فتح قنوات لمراكمة عوامل وحدة مجتمعية، فمن شأن أي اختلال أن يطيح بمعظم تلك العوامل، هذا جلّ ما تمخض عن حلول الطوائف: خطوة إلى الأمام تعقبها أخرى إلى الوراء. مراوحة تصبح أكثر مرارة متى لحظنا أن الأكلاف الناجمة عن المواجهات تستنزف الوطن (المشترك) وتكرس الطوائف (الخاص) قنوات لتأمين الحماية عند الاهتزاز، وممرات لتبادل المنافع وقت الاستقرار، وبالتالي يصبح للخسارة التي تطال الوطن وتستنزفه وجهاً آخر: وجه الربح للطوائف. ربح يأكل من جسد الوطن مرتين (كأسنان المنشار)، مرة عند توزيع المغانم ومرة وقت التقاط التذمرات، ومنسوب "الربح" الطائفي هذا يكاد يتساوى في مرحلتي السلطة والمعارضة.
اتُراه مسار بلا قاع؟.

نحو تسوية مبنية على الواقع المعاش
وحيال عبثية المعادلة الممسكة بلبنان. هل تنتج الطوائف تسوية ناجمة عن حوار حاجات، تتخلى بموجبه كل طائفة عن تغليف توقها الدائم إلى الهيمنة والتسلط والغلبة بشعارات المشاركة وبناء الدولة؟
ألا نملك الجهر بحل بديل: حياد الدولة تجاه الطوائف والأديان، وجعل العالـَم مصدراً للحقيقة وأساساً للسلطة؟ العالم بما هو "المعيوش" أو المشترك، الذي يُعنى بشؤون الناس وحرياتهم وضمان تعليمهم وفرص عملهم وترقيتهم، ويحث الأفراد على تدبير شؤونهم ويُحفّـز طاقاتهم على إنتاج المبادرات.
حل يجنبنا الوقوع في تلك اللعبة الخادعة التي توزع الاختصاصات والقضايا على الطوائف، وسط عملية يشوبها هدر مزدوج: التضحية بموارد الأغيار وشراء ولاءات الأنصار. وهذه العملية شملت كل شيء، من مقاومة الاحتلال ورفض الوصاية، إلى تعريف علاقة لبنان بمحيطه، وصولاً إلى مسألة بناء الدولة. والحال، فإن طائفة- أو أكثر- لا تبني وطناً ولا تدحر عدواناً ، بل تبقى القضايا لديها أمراً عابراً، فيما الثابت عندها هو الرغبة الدائمة في شراء الولاءات بإغراء التسلط والهيمنة.

والحل المستند إلى العالـَم هل يمكن تسميته بغير العلمانية؟
بيت القصيد إذن البحث في ظروف وإمكانات الحل المستند إلى الشؤون المعاشة والمشتركة (مع احترام الشؤون الخاصة والجهر بطلب تنحيتها)، عبر النقاش المسؤول الذي يقف أصحابه على مسافة صارمة وحقيقية من مختلف الطوائف، الحل الذي يتوخى إلباس العلمانية حُلـّة، ونقلها من المفهوم المجرد إلى عالم الأفكار الملموسة، والعمل على توسيع دائرة المتفاعلين مع هذه الأفكار بدلاً من إبقاء العلمانية طلسماً أو إحلالها مُطلقاً مكان مطلقات "تراجعت". خصوصاً أن من ميزات "العلمنة" أنها تحثُ حَملتها على إكسابها معنى، وذلك لأنها لم تُقدّم كنموذج صالح لكل زمان ومكان، مثلما جاءت بلا ترسيمات وحتميات بل رجح في تطبيقها سبل التسويات الظرفية المتعاقبة المتأتية عن التعاقد الواعي للأفراد على إنجازها.
دائرة البحث هذه، تودي إلى رفض تخصصية الطوائف وليس التنكر للقضايا المصادرة من قبلها، وإلى نقاش القضايا بصفتها شأناً مشتركاً وإماطة اللثام عما يشوب حَمل القضايا (المشتركة)، والذي يكاد يلازمه سمة دائمة: تنسيب الإنجاز للطائفة والحرص على ضبط الطائفة الأخرى متلبسة بالسعي لإطاحته. وتلك الدائرة تقتضي ورشات ضخمة ولا يمكن اختزالها بتعميمات من هنا أو انحياز ٍ غير مدقّق من هناك.
وهنا يتساوى في عدم الدقة، المدح الذي يغدق على طائفة أو الهجاء الذي يكال لأخرى، فلا طوائف "وطنية" أو "فاجرة" أو "معتدلة"، والصفة الوحيدة التي تستحقها أي طائفة هي اسمها. وعليه، فإن "النسق" المتشكـّل من طوائف لبنان مسؤول برمته عن عسر استيعاب بعض أو مختلف أجزائه.
والحال، لسنا أمام لائحة خيارات لا تنتهي، بل حيال تكتلين طائفيين تضافرا على إيصال البلد إلى هذا الانسداد في الحلول، كلٌ منهما يرى الصواب عنده والباطل كله في المقلب الآخر. وكل ثناء يزيد في تعنتهما ويؤخر أمد التسوية المأمولة.

الطوائف والقضايا: وجه آخر للدعم
وفي قراءة لمفاعيل المأزق اللبناني الراهن المتوالية فصوله منذ العام 2005، يبدو تبلور الطوائف جلياً كنتيجة طبيعية وذات مقدمات، بدأت تتكون ملامحها منذ منتصف السبعينات، إثر اصطدام محاولة إصلاح النظام الطائفي بجدار الاستحالة، بحيث أصبح لكل طائفة كيانها الخاص وميليشياتها، الكامنة أو الظاهرة، واقتصادها الذي يحوّل الأتباع إلى متسولين بدل خلق مبادرات تعزّز الفرص أمامهم، وأضحى لكل طائفة أمير هو بمثابة "شاعرها" والناطق باسمها وأقوى أقويائها وأكثرهم نزقاً، وأضحت كل طائفة ساهرة لا يغمض لها جفن وهي تراقب أندادها وتقيس أنصبتهم من السلطة، ثم باتت قنوات الاستنفار الطائفي موصولة بخطوط بالغة التشابك والتعقيد، ومفتقدة لأي مرونة، ما سهل الاستنتاج بأن استنفار أي طائفة هو استنفار لكل الطوائف.
تبلور الطوائف الذي سبق أن تضافر، مع ديناميات ذات طبيعة وطنية، على ترويض بعض الطروحات الموغلة في جذريتها ورومانسيتها (طرح تحويل لبنان ميدان حرب شعبية لتحرير فلسطين، ثم فكرة الوطن القومي المسيحي ومشروع الدولة الإسلامية بنسختيه)، إنتقل إلى استيعاب وتليين معظم القوى الاجتماعية المنادية بهذه الطروحات، ليفرز في نهاية المطاف ظاهرة تطييف شملت كل شيء. ما اسقط الرهان على أي إمكانية لإصلاح النظام الطائفي عبر قوى ذات هوية- أو هوى- طائفية، وظهر جلياً إن الطوائف تفقه لغة واحدة: المحاصصة. وبالتالي، فإن الدعم الذي توفره كتلة طائفية ما لأي قضية يشكـّل سلاحاً ذا حدّين ويكاد يتساوى معه مردودا الربح والخسارة.
وعليه، فإن محاولات الإصلاح التي حملت تناقضها بسبب التباساتها الطائفية، أي بسبب جدلية التأثير غير المتناسب بين خطاب التغيير وطبيعة البنى الحاملة له ( تأثير محدود للخطاب وتأثير طاغ ٍ للبنية)، تلك المحاولات (الملتبسة) كانت بمثابة باكورة التباسات متتالية ومتعاقبة لازمت مختلف محطات النضال اللبناني الحديث ولامست القدرة على إجهاضها، إلتباسات شملت حركة 14 آذار وانتصار تموز 2006 ومواكب التشييع المطالبة بالعدالة والحقيقة. ففي كل مرة كان رصّ الصفوف من هنا يثير ريبة الجموع هناك، لكأن الشحن الطائفي مربوط بأوان ٍ مستطرقة وخاضع لأحكامها. وكأن الطوائف تقتبس قول الشاعر:

إذا شُقّ بُردٌ، شُقّ بُرداك مثله دواليك، حتى ما لذا الثوب لابـِسُ
فهل يصح القول بأنه لا بد للبنان (بقضاياه الأساسية) أن يكون لجميع طوائفه كممر ضروري ليصبح لاحقاً لجميع أبنائه. وبالتالي تصبح كل قضية مطعون في نجاعة حملها ما لم تستند إلى شبكة أمان وطنية عاملة، فلا تترك لطوائف مهمة حماية الحدود ولا يوكل لأخرى أن تلتزم بنيان الدولة..الخ.

يتبع (الجزء الثاني في العدد القادم)

ليست هناك تعليقات: