العلمنة في لبنان
في مقالات جوزيف مغيزل
في مقالاته عن العلمنة في لبنان اتسمت كتابة جوزيف مغيزل بالتركيز على أسسها وعناصرها التطبيقية مستحضراً القليل وما هو ضروري من مرتكزاتها النظرية. ولقد تناولت مقالاته في غالبيتها ثلاث مسائل رئيسية:
المسألة الأولى: توجز الخلفية التي تحدد نظرة جوزيف للعلمنة في لبنان.
المسألة الثانية: تتمحور حول شرح نظرته للنظام العلماني في لبنان.
والمسألة الثالثة: تتناول النقطة المتعلقة بتعريف العلمنة.
وفي هذا النص سنحاول أن نوجز ما كتبه جوزيف مغيزل حول هذه المسائل الثلاث:
المسألة الأولى: ترتكز خلفية جوزيف مغيزل التي يستوحي منها نظرته للعلمنة على مصدرين رئيسيين:
المصدر الأول: الاستفادة من عبر التاريخ:
يرى جوزيف مغيزل أن تجارب التاريخ تنبئنا بأن ربط الدين بالدولة ووضع مقدرات الدين في أيدي الحكام يؤدي إلى استغلال الدين لاغراض ومصالح سياسية تخص الحكام وتمكنهم من استغلال الدين في اكساب حكمهم شرعية إلهية تساعدهم على اخضاع الرعايا لسلطتهم. ويرى أنه عندما ترتبط الدولة بدين أو مذهب معين تستحيل المساواة بين مواطنيها من أتباع الدين أو المذهب التي ترتبط به الدولة ومواطنيها من اتباع الديانات والمذاهب الأخرى. وهذا يؤدي بدوره، إلى تغليب أتباع دين أو مذهب الدولة على سائر المواطنين من اتباع الديانات والمذاهب الأخرى. وفي هذه الحالة يتمحول الدين والمذهب إلى عنصر تفجير إجتماعي وتخلف سياسي.
المصدر الثاني: مبادىء حقوق الانسان
في تحديده لأسس العلمانية ينطلق جوزيف مغيزل، كما يقول، من المبادئ الانسانية التي يومن بها والمبادئ التي اعلنتها شرعة حقوق الانسان ومن الاتفاقية الدولية المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية الصادرة في ستينات القرن العشرين، وجميع هذه تنص على مبادئ الحرية لجميع الناس والمساواة والاخاء بين جميع الناس دون أي تمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو أي شيء آخر.
فلكل فرد الحق في حرية الفكر والضمير والديانة ولا يجوز اخضاع أي فرد لإكراه من شأنه أن يعطل حريته في الانتماء إلى أحد الأديان أو العقيدة التي يختارها. كما تنص هذه، على احترام حرية الآباء والأمهات والالوياء في تعليم أطفالهم الدين والاخلاق تمشيا مع معتقداتهم الخاصة. ويجب أيضاً أن تحترم حرية الفرد في أن يعبر منفرداً أو مع آخرين، بشكل علني أو غير علني، عن ديانته أو عقيدته سواء كان ذلك عن طريق العبادة أو التقيّد أو الممارسة أو التعليم، على أن تخضع الحرية المنصوص عليها للقانون الذي يستوجب السلامة العامة والصحة العامة والأخلاق وحقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية.
المسألة الثانية: حول النظام العلماني
1- يقول جوزيف مغيزل بضرورة قيام نظام علماني في لبنان، وذلك لأسباب عامة محض إنسانية وديمقراطية من ناحية، وهذه أشير إليها في النقطة السابقة، ولأسباب محض لبنانية من ناحية ثانية، وهذه تتعلق بعدد من الضرورات وأبرزها:
ضرورة انتقال المجتمع اللبناني من التفتت إلى التناظم، ولأن النظام الطائفي القائم يهدد طاقاتنا ويعطل العقل فينا ويلهينا عن قضايانا المشتركة ويزج اللبنانيين في تنازعات هدامة ويضعهم أمام اشكاليات كبيرة تتعلق بالزواج وبنظام الأحوال الشخصية الطائفي.
إن قيام نظام علماني لا يعني بالنسبة لجوزيف مغيزل أن يبترأ الشعب اللبناني من تراثه الديني ولا يعني تحريم تعليم الدين للناشئة، لا بل إن قيام نظام علماني يعني إنهاء امتيازات رجال الدين السياسية والقانونية أو الواقعية ومنع تدخل الدولة في تنظيم شؤون الطوائف، كما يعني إلغاء كل النظم والأوضاع الطائفية في الدولة ومؤسساتها من برلمان وحكومة ودوائر، وكذلك يعني إلغاء مساعدات الدولة للمدارس الطائفية، ولمؤسسات الطوائف الاجتماعية. ويرى أن العهد الذي يقوم فيه رجال الدين مقام المجتمع المتقدم في تقديم الخدمات الاجتماعية والتعليمية يجب أن ينتهي، كي يتساوى جميع المواطنين في الخدمات نفسها.
في النظام العلماني، تنشأ علاقة مباشرة بين المواطن والدولة دون الوسيط الطائفي، وذلك على قاعدة المواطنة الديمقراطية وحدها وبما يحقق التناظم المجتمعي بين المواطنين في إطارٍ من الوحدة الوطنية العضوية وحيث يخضع جميع المواطنين مؤمنين وغير مؤمنين للموجبات والأحكام المشتركة التي تقرها الدولة.
إن وجود قانون موحد مدني للزواج والأحوال الشخصية يسود جميع المواطنين في النظام العلماني لا يحول أبداً دون تقيّد المؤمنين بمعتقداتهم الدينية تقيداً كاملاً. فالقانون المدني الإلزامي لا يمنع عقد القران حسب النواميس الدينية قبل أو بعد إتمام الزواج المدني. كما لا يمنع أي مواطن من أن يطبق الشرع الديني فيما يتعلق بأحواله الشخصية وذلك باللجوء إلى وسائل متعددة ومنها الوصية.
أخيراً يرى جوزيف مغيزل أن إلقاء الطائفية يجب أن يكون في طليعة اهتمامات بناة النظام اللبناني الجديد. وهؤلاء البناة بنظره ليسوا حتماً، أولئك الذين يدعون للعلمنة في حين هم يفرقون في لجج الطائفية حتى قمة رأسهم. فهؤلاء لا يقصدون بدعوتهم للعلمنة تحقيقها. فعلى بناة العلمنة فعلاً، أن يمارسوها. فإذا كان الداعي للعلمنة حزباً عليه أن لا يمثل طائفة معينة، وإذا كان فرداً عليه أن لا يدافع عن حقوق طائفية. وعلى كل من يدعو إلى العلمنة أن يكون علمانياً. فالعلمانية ممارسة قبل كل شيء.
2- في قراءته للأسس التي تقوم عليها الدولة اللبنانية الحالية، يتحدث جوزيف مغيزل عن هيكليتان متنافستان تتواجدان جنباً إلى جنب في طريقين متوازيين:
· هيكلية نظام الدولة اللبنانية.
· هيكلية النظام الطائفي اللبناني.
ويرى أن المنافسة بين هاتين الهيكليتان تتمحور حول سعي كل هيكلية لاحتلال الدور الأول المؤثر على مسيرة الشأن العام. وأمام هذه الازدواجية في نظام الحكم في لبنان يكون التحدي في أنه يتعاظم دور نظام الدولة على حساب النظام الطائفي. ويرى أن التحدي الأكبر يكون عندما يبلغ نظام الدولة يوماً ما رحاب العلمانية التي تفصل بين النظامين لصالح نظام الدولة وانهاء نظام الطوائف السياسي.
المسألة الثالثة: حول تعريف العلمنة
في مقالاته، يعرف جوزيف مغيزل
العلمنة وفقاً للأسس الآتية:
1- حياد السلطة: على السلطة، أي الدولة ومؤسساتها أن تقف موقفاً لا منحازاً تجاه المعتقدات الدينية وهذا يعني:
· أن لا يكون للدولة أي معتقد ديني معين أو معتقد الحادي، وأن يكون الدستور خلواً من اعتناق أي دين، أو من أي موقف ضد الدين.
· أن لا تميز الدولة بين الأديان، بل تساوي بينها بالاحترام والحماية.
· أن لا تميز الدولة بين المؤمن وغير المؤمن في تعاملها معهما.
· أن لا تتدخل الدولة في شؤون الدين أو الدين في شؤون الدولة. وأن ترضى الدولة بأن تنظم الأديان أمورها ومؤسساتها كما تشاء، شرط أن لا يؤدي ذلك إلى الاخلال بحريات الغير وحقوقهم وبالنظام العام والآداب العامة والسلام الوطني.
· أن تسن الدولة القوانين على اساس شامل لجميع المواطنين وفقاً لمصالحهم المشتركة العامة.
2- الحرية الدينية: احترام حرية الفرد في أن يعتنق ديناً أو لا يعتنق وحريته في أن يغيّر معتقده الديني وحرية المؤمن في أن يمارس شعائر دينه بحرية وعلناً، دون أن يمس بحرية سواه أو يسيء إلى الراحة العامة والأمن العام. وكذلك احترام حرية المؤمن وغير المؤمن في التعبير كل عن معتقده، علناً في حدود احترام كل منهما للآخر، وضمن إطار الحفاظ على النظام العام. كما يجب احترام حق المؤمنين في الرجوع إلى رجال الدين.
3- حرية التعليم الديني: وتعني حرية رجال الدين بأن يعلنوا عن تعاليم دينهم وينشروها ضمن حدود عدم التعريض للأديان الأخرى، وحرية الأهل في اعطاء أولادهم التعليم الديني أو الاخلاقي الذي يتمشى مع معتقداتهم الخاصة، وعلى الدولة أن تمكن الأهل من ممارسة هذه الحقوق.
4- حرية تملك المؤسسات الدينية: ما تحتاجه لنشاطها من اموال وعقارات.
انتهى تعريف جوزيف مغيزل للعلمنة
ويختصر جوزيف نظرته للعلمنة فيقول أن: العلمنة هي التمييز بين الدولة ومؤسساتها وقوانينها، وبين الأديان ومعتقداتها وشرائعها، لا لتقف الواحدة ضد الأخرى، بل لتقوم كل منها بدورها المستقل وعلى الدولة أن تساوي بين جميع اتباعها مؤمنين كانوا أم غير مؤمنين، فلا تتخذ موقفاً منهم على أساس معتقداتهم الدينية وايمانهم أو انتمائهم الطائفي.
ننتهي إلى أن جوزيف مغيزل يتعرف إلى علمانية لا تناصب الأديان أي عداء، لا بل تجلّها وتحميها وتعتبرها مادة تشكل جزءاً لا غنى عنه من الثقافة العامة.
خلاصة:
لا شك أن ما يدعو إليه جوزيف مغيزل هو علمنة متصالحة مع المعتقدات الدينية والفلسفية جميعها، ولا تتجه في عملها إلى مواجهة الأديان والمعتقدات الفكرية والفلسفية الأخرى، ولا رجال الدين وأصحاب الفكر وهذه علمنة كما شرحها تتوخى أساساً، الفصل بين الدولة والسياسية والشأن العام وبين الطائفيات اللبنانية وتقوم على إنهاء النظام الطائفي اللبناني.
في مقالات جوزيف مغيزل
في مقالاته عن العلمنة في لبنان اتسمت كتابة جوزيف مغيزل بالتركيز على أسسها وعناصرها التطبيقية مستحضراً القليل وما هو ضروري من مرتكزاتها النظرية. ولقد تناولت مقالاته في غالبيتها ثلاث مسائل رئيسية:
المسألة الأولى: توجز الخلفية التي تحدد نظرة جوزيف للعلمنة في لبنان.
المسألة الثانية: تتمحور حول شرح نظرته للنظام العلماني في لبنان.
والمسألة الثالثة: تتناول النقطة المتعلقة بتعريف العلمنة.
وفي هذا النص سنحاول أن نوجز ما كتبه جوزيف مغيزل حول هذه المسائل الثلاث:
المسألة الأولى: ترتكز خلفية جوزيف مغيزل التي يستوحي منها نظرته للعلمنة على مصدرين رئيسيين:
المصدر الأول: الاستفادة من عبر التاريخ:
يرى جوزيف مغيزل أن تجارب التاريخ تنبئنا بأن ربط الدين بالدولة ووضع مقدرات الدين في أيدي الحكام يؤدي إلى استغلال الدين لاغراض ومصالح سياسية تخص الحكام وتمكنهم من استغلال الدين في اكساب حكمهم شرعية إلهية تساعدهم على اخضاع الرعايا لسلطتهم. ويرى أنه عندما ترتبط الدولة بدين أو مذهب معين تستحيل المساواة بين مواطنيها من أتباع الدين أو المذهب التي ترتبط به الدولة ومواطنيها من اتباع الديانات والمذاهب الأخرى. وهذا يؤدي بدوره، إلى تغليب أتباع دين أو مذهب الدولة على سائر المواطنين من اتباع الديانات والمذاهب الأخرى. وفي هذه الحالة يتمحول الدين والمذهب إلى عنصر تفجير إجتماعي وتخلف سياسي.
المصدر الثاني: مبادىء حقوق الانسان
في تحديده لأسس العلمانية ينطلق جوزيف مغيزل، كما يقول، من المبادئ الانسانية التي يومن بها والمبادئ التي اعلنتها شرعة حقوق الانسان ومن الاتفاقية الدولية المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية الصادرة في ستينات القرن العشرين، وجميع هذه تنص على مبادئ الحرية لجميع الناس والمساواة والاخاء بين جميع الناس دون أي تمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو أي شيء آخر.
فلكل فرد الحق في حرية الفكر والضمير والديانة ولا يجوز اخضاع أي فرد لإكراه من شأنه أن يعطل حريته في الانتماء إلى أحد الأديان أو العقيدة التي يختارها. كما تنص هذه، على احترام حرية الآباء والأمهات والالوياء في تعليم أطفالهم الدين والاخلاق تمشيا مع معتقداتهم الخاصة. ويجب أيضاً أن تحترم حرية الفرد في أن يعبر منفرداً أو مع آخرين، بشكل علني أو غير علني، عن ديانته أو عقيدته سواء كان ذلك عن طريق العبادة أو التقيّد أو الممارسة أو التعليم، على أن تخضع الحرية المنصوص عليها للقانون الذي يستوجب السلامة العامة والصحة العامة والأخلاق وحقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية.
المسألة الثانية: حول النظام العلماني
1- يقول جوزيف مغيزل بضرورة قيام نظام علماني في لبنان، وذلك لأسباب عامة محض إنسانية وديمقراطية من ناحية، وهذه أشير إليها في النقطة السابقة، ولأسباب محض لبنانية من ناحية ثانية، وهذه تتعلق بعدد من الضرورات وأبرزها:
ضرورة انتقال المجتمع اللبناني من التفتت إلى التناظم، ولأن النظام الطائفي القائم يهدد طاقاتنا ويعطل العقل فينا ويلهينا عن قضايانا المشتركة ويزج اللبنانيين في تنازعات هدامة ويضعهم أمام اشكاليات كبيرة تتعلق بالزواج وبنظام الأحوال الشخصية الطائفي.
إن قيام نظام علماني لا يعني بالنسبة لجوزيف مغيزل أن يبترأ الشعب اللبناني من تراثه الديني ولا يعني تحريم تعليم الدين للناشئة، لا بل إن قيام نظام علماني يعني إنهاء امتيازات رجال الدين السياسية والقانونية أو الواقعية ومنع تدخل الدولة في تنظيم شؤون الطوائف، كما يعني إلغاء كل النظم والأوضاع الطائفية في الدولة ومؤسساتها من برلمان وحكومة ودوائر، وكذلك يعني إلغاء مساعدات الدولة للمدارس الطائفية، ولمؤسسات الطوائف الاجتماعية. ويرى أن العهد الذي يقوم فيه رجال الدين مقام المجتمع المتقدم في تقديم الخدمات الاجتماعية والتعليمية يجب أن ينتهي، كي يتساوى جميع المواطنين في الخدمات نفسها.
في النظام العلماني، تنشأ علاقة مباشرة بين المواطن والدولة دون الوسيط الطائفي، وذلك على قاعدة المواطنة الديمقراطية وحدها وبما يحقق التناظم المجتمعي بين المواطنين في إطارٍ من الوحدة الوطنية العضوية وحيث يخضع جميع المواطنين مؤمنين وغير مؤمنين للموجبات والأحكام المشتركة التي تقرها الدولة.
إن وجود قانون موحد مدني للزواج والأحوال الشخصية يسود جميع المواطنين في النظام العلماني لا يحول أبداً دون تقيّد المؤمنين بمعتقداتهم الدينية تقيداً كاملاً. فالقانون المدني الإلزامي لا يمنع عقد القران حسب النواميس الدينية قبل أو بعد إتمام الزواج المدني. كما لا يمنع أي مواطن من أن يطبق الشرع الديني فيما يتعلق بأحواله الشخصية وذلك باللجوء إلى وسائل متعددة ومنها الوصية.
أخيراً يرى جوزيف مغيزل أن إلقاء الطائفية يجب أن يكون في طليعة اهتمامات بناة النظام اللبناني الجديد. وهؤلاء البناة بنظره ليسوا حتماً، أولئك الذين يدعون للعلمنة في حين هم يفرقون في لجج الطائفية حتى قمة رأسهم. فهؤلاء لا يقصدون بدعوتهم للعلمنة تحقيقها. فعلى بناة العلمنة فعلاً، أن يمارسوها. فإذا كان الداعي للعلمنة حزباً عليه أن لا يمثل طائفة معينة، وإذا كان فرداً عليه أن لا يدافع عن حقوق طائفية. وعلى كل من يدعو إلى العلمنة أن يكون علمانياً. فالعلمانية ممارسة قبل كل شيء.
2- في قراءته للأسس التي تقوم عليها الدولة اللبنانية الحالية، يتحدث جوزيف مغيزل عن هيكليتان متنافستان تتواجدان جنباً إلى جنب في طريقين متوازيين:
· هيكلية نظام الدولة اللبنانية.
· هيكلية النظام الطائفي اللبناني.
ويرى أن المنافسة بين هاتين الهيكليتان تتمحور حول سعي كل هيكلية لاحتلال الدور الأول المؤثر على مسيرة الشأن العام. وأمام هذه الازدواجية في نظام الحكم في لبنان يكون التحدي في أنه يتعاظم دور نظام الدولة على حساب النظام الطائفي. ويرى أن التحدي الأكبر يكون عندما يبلغ نظام الدولة يوماً ما رحاب العلمانية التي تفصل بين النظامين لصالح نظام الدولة وانهاء نظام الطوائف السياسي.
المسألة الثالثة: حول تعريف العلمنة
في مقالاته، يعرف جوزيف مغيزل
العلمنة وفقاً للأسس الآتية:
1- حياد السلطة: على السلطة، أي الدولة ومؤسساتها أن تقف موقفاً لا منحازاً تجاه المعتقدات الدينية وهذا يعني:
· أن لا يكون للدولة أي معتقد ديني معين أو معتقد الحادي، وأن يكون الدستور خلواً من اعتناق أي دين، أو من أي موقف ضد الدين.
· أن لا تميز الدولة بين الأديان، بل تساوي بينها بالاحترام والحماية.
· أن لا تميز الدولة بين المؤمن وغير المؤمن في تعاملها معهما.
· أن لا تتدخل الدولة في شؤون الدين أو الدين في شؤون الدولة. وأن ترضى الدولة بأن تنظم الأديان أمورها ومؤسساتها كما تشاء، شرط أن لا يؤدي ذلك إلى الاخلال بحريات الغير وحقوقهم وبالنظام العام والآداب العامة والسلام الوطني.
· أن تسن الدولة القوانين على اساس شامل لجميع المواطنين وفقاً لمصالحهم المشتركة العامة.
2- الحرية الدينية: احترام حرية الفرد في أن يعتنق ديناً أو لا يعتنق وحريته في أن يغيّر معتقده الديني وحرية المؤمن في أن يمارس شعائر دينه بحرية وعلناً، دون أن يمس بحرية سواه أو يسيء إلى الراحة العامة والأمن العام. وكذلك احترام حرية المؤمن وغير المؤمن في التعبير كل عن معتقده، علناً في حدود احترام كل منهما للآخر، وضمن إطار الحفاظ على النظام العام. كما يجب احترام حق المؤمنين في الرجوع إلى رجال الدين.
3- حرية التعليم الديني: وتعني حرية رجال الدين بأن يعلنوا عن تعاليم دينهم وينشروها ضمن حدود عدم التعريض للأديان الأخرى، وحرية الأهل في اعطاء أولادهم التعليم الديني أو الاخلاقي الذي يتمشى مع معتقداتهم الخاصة، وعلى الدولة أن تمكن الأهل من ممارسة هذه الحقوق.
4- حرية تملك المؤسسات الدينية: ما تحتاجه لنشاطها من اموال وعقارات.
انتهى تعريف جوزيف مغيزل للعلمنة
ويختصر جوزيف نظرته للعلمنة فيقول أن: العلمنة هي التمييز بين الدولة ومؤسساتها وقوانينها، وبين الأديان ومعتقداتها وشرائعها، لا لتقف الواحدة ضد الأخرى، بل لتقوم كل منها بدورها المستقل وعلى الدولة أن تساوي بين جميع اتباعها مؤمنين كانوا أم غير مؤمنين، فلا تتخذ موقفاً منهم على أساس معتقداتهم الدينية وايمانهم أو انتمائهم الطائفي.
ننتهي إلى أن جوزيف مغيزل يتعرف إلى علمانية لا تناصب الأديان أي عداء، لا بل تجلّها وتحميها وتعتبرها مادة تشكل جزءاً لا غنى عنه من الثقافة العامة.
خلاصة:
لا شك أن ما يدعو إليه جوزيف مغيزل هو علمنة متصالحة مع المعتقدات الدينية والفلسفية جميعها، ولا تتجه في عملها إلى مواجهة الأديان والمعتقدات الفكرية والفلسفية الأخرى، ولا رجال الدين وأصحاب الفكر وهذه علمنة كما شرحها تتوخى أساساً، الفصل بين الدولة والسياسية والشأن العام وبين الطائفيات اللبنانية وتقوم على إنهاء النظام الطائفي اللبناني.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق