نرحب بكم على مدونة التجمع الديمقراطي العلماني

الأربعاء، ديسمبر 10، 2008

حكايتي مع الحوار

حكايتي مع الحوار

بعد هدوء حوار الرصاص الذي كان سائداً بين طوائف لبنان، طيلة سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، وإبان انعقاد مؤتمر الطائف الذي انتج إتفاق امراء الحرب انفسهم على عقد هدنة فيما بينهم....
نشطت بين شرائح من الشباب اللبناني، حلقات حوار، تنبذ الحرب، وتنادي بالتعايش (الاسلامي- المسيحي) وقبول الآخر، والمواطنية، والسلم الأهلي.
وكان لي حظ المشاركة بها، مندفعاً، متحمساً،....
حلقات الحوار هذه، قد تقرب وجهات النظر، وتحقق تعارفاً بين الشباب، تساهم في تجاوز الخوف من الآخر، وتبدد الهواجس التي تحولت خلال سنين الحرب إلى كوابيس تحكم الخطاب السياسي مهددة حتى لقمة العيش....
لكني، وجدت نفسي وأنا المسلم احاور شريكي المسيحي، ونبحث معاً عن صيغ للتعايش في وطن يجمعنا على صغر حجمه، معتقدين سلفاً انه يتسع لجميع ابنائه على اختلاف طوائفهم ومللهم.
الا انني كنت بعد كل حلقة حوار، ورغم كل الأفكار الواعدة بامكانية انجاز الكثير، أجد نفسي أمام سؤالين:
الأول يرمي بثقله على كل حلقة حوار: إذ كنت المس أن التقارب بين ابناء المجتمع اللبناني على اختلاف طوائفهم، كبير وكبير جداً وسهل في آنٍ معاً، لكني كنت اشعر بثقل وغلبة المرجعيات السياسية والدينية الكبيرعلى عواطف ووجدانيات المشاركين في هذه الحلقات، ووجدت جواباً، أن الحوار بين اللبنانيين سهل إذا تجاوزوا عقد مرجعياتهم الدينية والسياسية الطائفية. أي تجاوزوا خطابهم المزدوج المقيت.
عندما يريدون أي المرجعيات، يدعون للتقارب والحوار،
وعندما يختلفون، يرفعون سقف الخطاب المتأزم،
أما عامة الناس فسرعان ما يتلقفون خطاب مرجعياتهم دون جدل أو تردد تاركين للمرجعيات مهمة صياغة الخطاب والتفكير نيابة عنهم.
فالمرجعيات تفكر عنا ونحن نردد، هي تأكل ونحن يجب أن نشبع، والنتيجة دائماً: سقف الحوار الجاري بيننا هو مرجعياتنا.
واخيراً أخرج من حلقات الحوار كما دخلت، ولا جديد يذكر.

أنا المسلم، وهو المسيحي، نبحث معاً عن أمور تقربنا، تجمعنا وتحقق العيش المشترك.
حتى يوم خرجت ولمست نتيجة، جعلتني اتردد في الذهاب إلى الحوار مجدداً، ذلك أن منسوب التكاذب عالٍ وهو انعكاس لما كرسته المرجعيات طوال سنين، وهي التي تهدف إلى زرع الشقاق والعداء بين الناس لتبقى المرجعيات هي المرجعيات "تكمش" بزمام الأمور.
أعرف أني بكتابتي هذه اربكك ولا اعطيك ما هو السؤال الثاني الذي اربكني؟
فقد اردت من خلال قراءتك لمقالي هذا أن تشعر معي كيف كان يدار الحوار، إذا كنت قد تجاهلته وأنت تكذب كل يوم في تعاطيك مع سائر أفراد عائلتك أو مجتمعك أو ابناء وطنك.

السؤال الثاني الذي كان يربكني هو؟
- أنا المسلم الذي أدخل الحوار،
- وهو المسيحي الذي يدخل الحوار،
هناك كثير ما يجمعنا الا أننا لم نهتد إلى العنوان الأكبر الذي يمكن أن يقنعنا ويجعلنا بعيدين عن الكذب والأزدواجية بالخطاب.
ازدواجية الخطاب: أي بين أنا المسلم وخطابي مع اهلي ومجتمعي وبيئتي الخاصة وبين أنا المسلم الذي اتقرب إلى شريكي في الوطن المسيحي لنبحث عن أشياء مشتركة.

النتيجة:
الكذب ملح الرجال، وملح الحوار، وملح التعايش، وملح التقارب، وملح التباعد وملح الاختلاف..
كثيرة هي الاسئلة.. لكن ماذا أفعل
سألت نفسي هذا السؤال؟
ماذا تعني لي كلمة المواطنية والوطن؟
كيف لي أن اصل إليها وأنا متمسك بكل خلفياتي الثقافية والايديولوجية والاجتماعية والبيئية؟!
والأهم كيف لي أن اجلس ولو لمرة واحدة كي أطرح رأي بحرية؟!
وما تمليه عليّ قناعاتي غير آبه برأي المرجعيات والمجتمع الخاص بي ولا أهاب محاسبته.
- والحرية؟!
كلمة صعبة، وشاقة، ومتعبة.
- هل استطيع أن اشعر بحريتي ولو للحظة وأعبر عن رأي الحر؟
وما هو الرأي الحر؟
- الرأي الحر الذي ينبع من ايماني أني حرّ؟
- وايماني الحرّ، هو أن أفكر بطريقة حرّة؟
- افكر بطريقة حرة: هو أن افكر بطريقة مجردة من أي تأثير حتى من أفكاري الموروثة الجميلة؟
وهو سؤال صعب، وموقف صعب وتحدٍ صعب؟
أنا لا أطرح أن أكون مجرداً من معتقداتي لا سمح الله.
ولا أطرح أن أكون بعيداً عما أمثل أنا؟
أنا أقول، عندما أبحث في المواطنية؟
هل استطيع أن أفكر بطريقة حرّة، وأن أعبر عن رأي بطريقة حرّة.
- عندما أريد أن أفكر بوطني؟
هل أستطيع أن اتجرد من كل ما يقيدني،
فقط أحمل حريتي، وفكري الحر، لأشعر بمواطنيتي.

على فكرة،
الراي الحر، شوهته الأقلام والمرجعيات إلى حد بات ليس حراً. خاصة عندما تكون في صفوف الموالاة أو المعارضة؟
الرأي الحر، أصبح لعق على ألسنة كل من يريد أن يذم الآخر أو يلعن طرحه وفكرته؟
أنا أتكلم عن الرأي الحر الحقيقي، الذي يمكن لي أن يكون مشروعاً لحلقة حوار حقيقي،
لا بد أن أدخل حراً، واؤمن أني كذلك، وأني قادر على ممارسة حريتي الفكرية دون قيد أو شرط؟

علي خليل ترحيني

ليست هناك تعليقات: