نرحب بكم على مدونة التجمع الديمقراطي العلماني

الأربعاء، ديسمبر 10، 2008

اليسار والعلمنة

اليسار والعلمانية
كي لا يكون الأمر مجرد عزاء

تحّل العلمانية ضيفاً جديداً على خطاب أهل اليسار اللبناني، ويظل هذا الخطاب "مكابراً" فلا يعترف بحداثة استضافتها، بل يحسبها من "أهل الدار" الأصيلين، ويزعم أنها اختصاصاً قديماً له، بصفتها مكوناً رئيساً من مكونات الاشتراكية الأشمل التي طالما سعى اليسار لتحقيقها.
وفي إسقاط للفكر الماركسي الكلاسيكي، يضمر اليسار أن تعقد قيادة العمل العلماني له، مثلما كان عليه سابقاً أن يقود الطبقة العاملة في سيرها "الحتمي" نحو تحقيق الاشتراكية، مفترضاً بذلك أن الانحياز الاجتماعي شرطاً ضرورياً لأي تكتل سياسي.
والحال، لا يمكن لمريدي العلمنة إلا أن يغتبطوا لركوب اليسار مركبهم الخشن، الطامح لعبور بحر الطوائف المتلاطم إلى ضفة القوانين التي تظلل وتحكم الجميع وتسعى لجعل "العيش معاً"، على الأقل، ممكناً، أما تولي الدفة فهذا أمر يحسمه ميدان العمل لا دوائر النظر.
لكن لئلا تبقى العلمانية مجرد عزاء لفشل اليسار في استمالة الطوائف المحرومة، وقيادته لها في حربه الرامية إلى تجاوز النظام الطائفي وما يحمله من ثنائيات الغبن والاستئثار، نحو نظام جديد يرسي "أسس الانتقال الاشتراكي". وكي لا تصاب العلمانية بالغموض والالتباس تحت وطأة الاستعجال للعب دور ٍما، على اليسار (العلماني) التواضع وتقبل حقيقة انه لا يمكن لذات الأفكار والأحكام والديناميات أن تصلح لمرحلتين، العلمانية أمر والنضال الاشتراكي أمر آخر، هذا مقام وذلك مقام.. ولكل ٍ مقاله، الخلط بينهما" مضر كوضع السيف في موضع الندى". وبالتالي، فان ولوج ميدان العلمنة يتطلب بداية الاعتراف بان معالجة مسألة عسر الاندماج الاجتماعي للبنان، يجب أن تتقدم على البحث في نظامه الاقتصادي والاجتماعي، ويفترض أن تكون لها "عدّتها" المختلفة. وعلى سبيل المثال نذكر أوجه الاختلاف التالية:
1- تقتضي العلمانية التنبه من الوقوع تحت أغراء الإسهاب في تعريفاتها، وبالتالي محاذرة استكمال ما درج عليه: إجادة المناداة بالمطلقات، أي إحلال العلمانية هنا مطلقاً جديداً محل مطلق الاشتراكية الخافت بريقه. فنحن لا نقدم شيئاً للفكر الإنساني إذا أسهبنا في إطلاق تعريفات للعلمانية، قد نقدم جديداً متى استطعنا وضع تصورات علمانية لمشكلاتنا. وعليه، تفرض العلمانية مجهوداً لتجاوز ما ارتبط لفترة وجيزة بها. أي فكرة فصل الدين عن الدولة (التي سادت أثناء الثورة الفرنسية) وهي فكرة إن حضرت لوحدها تجعل العلماني متشكياً متأففاً، منسحباً من تعقيدات الواقع إلى عالم ٍ متخيل. المطلوب، تجاوزها إذن إلى الإسهام في تبيان كيفية تنظيم العلاقة ورسم الحدود بين الدين والدولة، ولا بأس في الحال اللبنانية من القول بين الطوائف والدولة، العلاقة التي تترك للدولة مهمة توفير الضمانات والمتطلبات والحقوق للأفراد والجماعات، وخصوصاً حماية الفرد بأن يكون له خياراً روحياً أو لا يكون.
2- العلمانية ليست خياراً يمكن إشهاره مرة واحدة وإلى الأبد، وليست عملية سير حتمي ترسم للقيادة مهامها، ولا هي مسألة تغيير فجائي تحطم القديم وتقيم جديدها على أنقاضه، بل هي سيرورة متعاقبة تخرج من كل معركة بحلة متجددة.
3- تقوم العلمانية على التعددية والتنوع, ومثلما لا يكون الماء بدون مكونـّيه، فان العلمانية لا تقوم لها قائمة بدون أوكسيجينها: الديمقراطية. التي تقتضي بذل "مجهود تكيّف" أكثر عسراً، وهي أسلوب ومنهج عمل قبل أن تكون شعارات.

باختصار، تطرح العلمانية على اليسار تحديات نظرية لا يمكن معها الركون للمناداة بها كخيار "ممكن" بديلاً للخيار الطائفي "المستحيل".. وفي مخزون اليسار من الاستجابة للتحديات النظرية ما يجعلنا في لهفة ٍ للإصغاء.
سعيد الديراني

ليست هناك تعليقات: