نرحب بكم على مدونة التجمع الديمقراطي العلماني

الأربعاء، ديسمبر 10، 2008

الطور الراهن في الصراع الطائفي في لبنان بعد اتفاق الدوحة

الطور الراهن في الصراع الطائفي في لبنان بعد اتفاق الدوحة

مع اتفاق الدوحة، دخلت الصراعات الطائفية في البلد طوراً جديداً. فما قرره الاتفاق عكس إلى حد كبير التعديلات التي طرأت على ميزان القوى بين الطوائف المتصارعة نتيجة مواجهات السابع من أيار، وما كرسته من غلبة عسكرية لصالح قوى 8 آذار بعد استيلائها على بيروت. والأبرز كان تسليم قوى 14 آذار مضطرة بمطالب ظلت ترفضها لسبعة عشر شهراً. والآن، بعد أن تم تطبيق البندين المتعلقين بانتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة على قاعدة إعطاء الثلث الضامن "للمعارضة"، وبعد أن إنتهت التجاذبات الطائفية إلى توزيع الحصص الوزارية بين كافة الفرقاء، ما هي طبيعة الطور الراهن في الصراع الطائفي في لبنان؟
لم تكن غاية "اجتماع الدوحة" التوصل إلى تسوية طائفية جديدة بين فرقاء الصراع. لذلك لم تتمكن الطبقة السياسية اللبنانية من إنتاج نسخة جديدة من النظام الطائفي اللبناني تشكل بديلاً عن نسخته السابقة ،التي انقضت مع خروج قوات النظام السوري من لبنان. فالبلد ما زال يعيش حتى الآن، مخاطر آلام ولادة عسيرة لهذه الصيغة الجديدة للنظام الطائفي اللبناني. والحال فقد سعى اجتماع الدوحة للتوصل إلى اتفاق يمكن الطبقة السياسية من انتخاب رئيس للجمهورية ، وتشكيل حكومة يشترك فيها جميع الفرقاء ، ثم اقرار قانون العام 1960 للإنتخابات النيابية . وباقتصاره على ذلك ، كان الهدف الرئيسي من "اجتماع الدوحة" هو التوصل إلى اتفاق يحدّ من الإقتتال المسلح ، وينقل الصراعات الطائفية من الشوارع إلى داخل الحكومة الجديدة.
إذاً، ولأن إتفاق الدوحة لم يضع تسوية طائفية جديدة، فإن الصراع على الحكم والمحاصصة ومن أجل تعديل ميزان القوى سيستمر في الطور الراهن. ورهان كل فريق ما يزال هو نفسه.
14 آذار تراهن على متغيرات إقليمية تضعف خصومها ،وتنتظر ضربة أميركية لإيران، كما تأمل تقدم المفاوضات على المسار الاسرائيلي- السوري بما يؤثر سلباً على العلاقة السورية مع حزب الله ، اما قوى 8 آذار فتراهن هي الاخرى على تراجع ما في الخطة الاميركية ، تتولاه الادارة الجديدة المنتظرة ، بحيث يكون الوجه الآخر لهذا التراجع خلق مناخ جديد ينقل حليفي المعارضة الاقليميين من وضعية المستهدف الى وضعية القادر على عقد الصفقات. والحال، فان كل من الطرفين يمارس تقطيعاً للوقت يأمل في غضونه اعداد القوى وتجميع الطاقات تمهيداً لتحقيق الغلبة الكاسحة على الخصم ، ويتوخى الطرفان ان تشكل الانتخابات الموعودة محطة مفصلية في هذا السياق ، هذا دون ان نلغي امكانية بروز "خروقات" قد تبرز لدى كلا التكتلين ، وتتخذ شكل "تفاهمات" او "تحالفات مموهة" ،تمليها الرغبة في الحصول على هذا المقعد او ذاك.
هنا تحضرالعناوين التي يتمحور حولها الصراع الطائفي في الطور الراهن بصفتها "اختصاصات" او "حقوق مكتسبة"لهذ الطائفة او تلك : المقاومة وسلاحها، العلاقات مع سوريا، المعتقلين اللبنانيين في سوريا، اسرائيل والسياسة الدفاعية، المشاريع الاميريكية، بناء الدولة..إلخ، وجميع هذه قضايا فعلية وحقيقية. لكن تنقلب عند تناولها الأولويات ويصبح سلاح المقاومة مثلاً هوالمشكلة وليس الاحتلال ، مثلما تحضر الفصاحة والبلاغة في تناول هذه القضية ويسود الارتباك والتلعثم حيال تلك، ، او يبرر استعمال سلاح المقاومة في الصراع الأهلي الداخلي لدى البعض، وتتحول الولايات المتحدة إلى صديق في نظر البعض الآخر، وينسى هؤلاء آخر نبؤاتها : الشرق الأوسط الجديد على انقاض ركام الضاحية المحروق وفوق أشلاء اطفال الجنوب.
هكذا الطائفيات دائماً؛ تغيب عندها المصالح الوطنية الفعلية، وتحضر قضايا الوطن لديها منظوراً لها من زاوية مصالح الطائفيات المتضاربة والمتصارعة فيما بينها ، والمتعارضة مع كل ما هو مصلحة وطنية ولبنانية مشتركة.فأي بؤس تفرضه الطائفيات على البلد وعلى اللبنانيين: تتقاسم قضايا الوطن الفعلية وتطيّفها، واذا انبرت احداها لقضية ما تنكرت الاخرى لها، وكل طائفية تقول أن ما تعمل له يبنى وطناً ودولة. لكن الحقيقة هي أن اللبنانيين غارقين في انقساماتهم وصراعاتهم، ويستخدمون قضايا الوطن ،بعد أن يجري تطييفها ، في مواجهة بعضهم البعض.
نختم
رهانات قوى الصراع الطائفي ومواضيع الصراع ستستمر هي نفسها في الطور الراهن إذا. ومن المتوقع أن تشكل الانتخابات النيابية للعام 2009 محطة رئيسية في هذا الصراع ومناسبة إطلاق حراك شعبي جديد، خاصة بعد أن إنتقل الحيز الأكبر من الصراع الطائفي، في هذا الطور الجديد، من الشارع إلى المؤسسات الدستورية.
زعماء الطوائف يختلفون ويتصارعون على الحصص الوزارية ومنافع الحكم وعموم اللبنانيين يدفعون الثمن.
ويبقى لبنان مشروع وطن معلق على مشجب الصراعات الطائفية، ويبقى اللبناني مغيباً تختزله زعامات طائفية. ويبقى السؤال متى ينجح البلد في بناء مواطنين أحرار مستقلين عن كل الزعامات، فيشكلوا باتحادهم كتلة شعبية وازنة، كتلة تعيد للقضايا صفتها الوطنية الجامعة.

ليست هناك تعليقات: