مشروع نقاط برنامجية أولية لعمل سياسي ديمقراطي علماني
5/5/2006
تقديم:
تطرح هذه الورقة المسألة المتعلقة بإستحالة حل أزمة لبنان: الكيان – النظام الطائفي، والمستمرة منذ مئة وخمسة وستين عاماً، في إطار النظام الطائفي اللبناني. وترى أن حل هذه الأزمة لا يمكن أن يتحقق إلا بدخول لبنان في مسار تطور متدرج نحو الديموقراطية العلمانية. وهذا مسار صعب ومديد ولكنه ممكن.
وتحاول الورقة أن تطرح ما لديها في الأقسام الخمسة الآتية:
× نقد التعمية حقيقة الصراع السياسي الراهن في لبنان
× النظام الطائفي اللبناني: أزمة أصلية وإستحالة حل
× التغيير الديمقراطي العلماني هو الحل لأزمة لبنان: الكيان – النظام الطائفي
× مشروع نقاط برنامجية أولية لعمل سياسي ديمرقاطي علماني
× ضرورة برنامج متكامل لعمل ديموقراطي علماني
×
× أولاً: نقد التعمية حول حقيقة الصراع السياسي الراهن في لبنان:
يشهد لبنان في هذه اللحظة من تاريخه تفجراً جديداً في أزمة النظام الطائفي اللبناني المستمرة منذ حوالي مئة وخمسة وستين عاماً، أي منذ أن نشأ هذا النظام في اعقاب إنهيار الإمارة الشهابية وقيام نظام القائمقاميتين في جبل لبنان: القائميقامية الدرزية والقائمقامية المسيحية. ويؤشر هذا التفجر إلى أن لبنان يمر الآن في طور إنتقالي سمته الأساسية أن مرحلة سابقة من حياة النظام الطائفي اللبناني خضع فيها لبنان لوصاية النظام السوري ولهيمنه إسلامية كانت الأرجحية فيها للطائفية الشيعية، إنقضت؛ وأن صياغة نسخة جديدة من هذا النظام الطائفي هي الآن قيد مخاض صراعي عسير. ومن البديهي أنه في إطار هذا المخاض تنفلت جميع الطائفيات من عقالها وتصل التجاذبات السياسية بين الطوائف إلى ذروات تحمل معها مخاطر تضع البلد أحياناً على حافة تجدد الإقتتال الأهلي بين طوائفه، وتدخل القوى الخارجية منجدلة مع طوائف الداخل اللبناني في مواجهات تنتهي غالباً إلى تحقيق غلبة داخلية - خارجية جديدة تتبدل معها الهيمنات والتوازنات الطائفية السابقة في الداخل والوصاية على البلد من الخارج.
لا شك أن التوازنات الطائفية الجديدة التي سيخرج بها الصراع ستحمل توزيعاً جديداً للحصص بين الطوائف يكون في صالح الطوائف التي تحقق غلبة في هذا الصراع. ذلك أن جوهر الصراع الطائفي، وايا تكن المسائل السياسية التي يتمحور حولها وأيا تكن أهميتها، هو صراع على المحاصصة بين الطوائف أولاً وأساساً. أنه في حقيقته صراع على اقتسام المنافع والمغانم والامتيازات بين الزعامات والأجنحة الطائفية للطبقة السياسية المسيطرة على البلد. ألا يغلف الإنقسام اللبناني الراهن حول مسائل السيادة والإستقلال والعلاقة مع سوريا ومع الغرب، والمقاومة وحزب الله وسلاحه... إلخ؛ ألا يغلف هذا الانقسام في جانب كبير منه صراعاً على الحصص والتوزنات بين الزعامات والأجنحة الطائفية للطبقة السياسية المسيطرة على السلطة؟
والاخطر أن يتوسل البعض توظيف جرائم الإغتيال السياسي في تزخيم الصراعات الطائفية، أو أن تلجأ أطراف الصراع إلى أساليب الشحن والتعبئة الطائفية التي تضع اللبنانيين وجهاً لوجه على حافة الإقتتال فيما بينهم. في توزيع المغانم والمنافع والإمتيازات ومراكز النفوذ التي تخرج بنصيب طائفة ما في العملية الصراعية، يستحوذ زعماء الطائفة ونخبتها والحاشية المحيطة بالزعماء والنخبة على الحصة الأكبر، فيما يؤول الفتات إلى جمهور الطائفة. والمفارقة هي أن الجمهور يدفع الكلفة الكبرى في الصراع الطائفي. فالزعامات تزج به في أتون القتال، عندما يكون هناك قتال من ناحية. ويطاله، في معيشته وعمله وسكنه وحياته، ما يلحق بالبلد من قتل وتهجير ودمار وأزمات من ناحية ثانية، فيما يحصل هو على الفتات.
هكذا هي المعادلة دائماً في هذا النظام الطائفي منذ القائمقاميتين وحتى الآن، الجمهور الواسع، الأكثرية الكبيرة، هي وقود الصراع وهي التي تقدم التضحيات وتدفع الكلفة الكبرى، في حين يستحوذ زعماء كل طائفة ونخبتها والحاشية المحظوظة على النصيب الأكبر من الحصة التي تحصل عليها الطائفة من منافع ومغانم وإمتيازات ونفوذ ضمن إطار النظام الطائفي.
ينقد ما تقدم التعمية والأوهام التي تسود لدى جمهور واسع من اللبنانيين حول حقيقة الصراع السياسي الدائر في البلد الآن. وهي تعمية وأوهام تروج لها الخطب السياسة للطائفيات السياسية في البلد. وخلاصة الأمر أن الأرجحية في الصراع الدائر الآن، ليست بالتأكيد لقضايا السيادة والاستقلال والوحدة اللبنانية، ولا تتمحور أيضاً حول مسألة الصمود في مواجهة مشاريع الجراحة الأميريكية في كيانات ودول وشعوب البلدان العربية، ولا حول مسألة الوفاء لمن دعم المقاومة في لبنان، (ولا ننسى أنه أجهز عليها في الجولان في العام 1970). وعلى العكس فالذي يبدو في المشهد السياسي الواقعي، أن الطائفيات السياسية تنتهك دائماً، بإنكشافها الدائم، والمذل أحياناً، على الخارج كل ما له علاقة بالسيادة والاستقلال، وتنشر تعمية حول حقيقة دو رالنظام السوري في لبنان وأن الأصل فيه هو هذه الإجازة الأميريكية التي أعطيت له في العام 1976، والتي تجددت بعد اتفاق الطائف وبعد إندلاع الحرب الأميريكة الاولى على العراق. وتكفي المشاهد والهتافات التي قدمتها الحشود الملايينية من الضفتين حتى يتضح بسرعة كم ان الانقسام متجذر وعميق، وان الكثير من الفتيان والفتيات والشبان والصبايا بلغن بعصبيتهم الطائفية مرحلة الشيخوخة باكراً ولما ينضجوا بعد، كما ينكشف لنا ضحالة الفكر والوعي الذي نحمل وبؤس الجهالة التي تسكننا أو تسكنها أدمغتنا، وكم أن مستقبل البلد وابنائه مخيف ومرعب، وكم أن الماضي والتخلف والموروث الطائفي يمسك بقوة في الحاضر والمستقبل.
والسؤال الكبير الذي نطرح: أي مستقبل للبلد في ظل هذا النظام الطائفي وفي ظل سيطرة هذه الطبقة السياسية بكافة أجنحتها الطائفية؟ وأي إنسان سنكونه وهذه العصبية الطائفية المتزمنة الحاقدة تصادر العقل والوعي لدينا على إمتداد حياتنا؟
ثانياً: النظام الطائفي اللبناني: أزمة أصلية وإستحالة حل.
1. في الأصل كان واقع الانقسام الطائفي الأساس في تشكّل النظام الطائفي نظاماً عاماً للسكان في لبنان بعد إنهيار الإمارة الشهابية. فالبلد أفتقد، مع زوال الإمارة، العنصر الوحيد الذي قامت عليه وحدته منذ أن نشأت الإمارة: سلطة الأمير المرتكزة على عصبية قيسية من ناحية، وعلى مبايعة أمراء البلد وإقطاعييه من ناحية ثانية. لقد حافظت الجماعات التي سكنت لبنان قبل الإمارة وفي حقبة الامارة على قدر كبير من الإنفصال الاجتماعي عن بعضها، وهو ما جعل تطورها الإجتماعي يراوح عند درجة بدائية حالت دون تحقيق قدر من الاندماج الإجتماعي بينها يؤول بها إلى التكون شعباً موحداًًًًًً.
وبتعبير آخر، عند زوال الإمارة، لم تكن الجماعات التي تسكن لبنان قد إندمجت بعد مع بعضها إلى درجة يمكن معها القول أنها أصبحت تشكل شعباً واحداً.
لقد كانت الدول الأوروبية، بعد زوال الإمارة، أساس تركيب الكيان الجديد للبلد وتركيب نظام حياته العام من مادة الانقسام الطائفي اللبناني. فجيوش أساطيل الدول الأوروبية هي التي ازالت الإمارة من خارطة المنطقة. وفي إطار الصراع بين هذه الدول على إقتسام تركة الأمبراطورية العثمانية جرى تقسيم الإمارة إلى قائمقاميتين. وبعد الحروب الأهلية الطائفية (1840-1860) ركبت الدول الأوروبية وتركيا متصرفية جبل لبنان ووضعت نظاماً طائفياً عاماً لحياة اللبنانيين (بروتوكول 1864). وكانت فرنسا الأساس في تركيب لبنان الكبير وفي إقرار نظام طائفي جديد لحياة اللبنانيين يرتكز على طائفة برلمانية. وفي دولة الإستقلال كرس اللبنانيون لأنفسهم الطائفية نظاماً عاماً للحياة.
يبدو أن اللبنانيين إزاء إشكالية بنيوية إذاً. فالكيان اللبناني لم يولد نتيجة إنصهار الجماعات المكونة له في شعب واحد، بقدر ما كان للإرادات والمصالح الدولية دور أساسي في تأسيسه. هذا يعني أن الكيان اللبناني تأسس في الأصل على أزمة: أزمة الإنقسام بين جماعاته الطائفية المكونة له. وهذه الأزمة هي أصل تشكل النظام الطائفي اللبناني أيضاً، وأساس إستمراره حتى الآن. إنها، أي هذه الأزمة، هي أساس قوة النظام الطائفي وسبب رسوخه وثباته وعنصر إضعافه في آن.
في إطار إستمراه ، يعيد النظام الطائفي إنتاج الإنقسامات والصراعات الطائفية بين اللبنانيين. هكذا يستمر اللبنانيون في الدوران في حلقة مفرغة منذ مئة وخمسة وستين عاماً:
الإنقسامات الطائفية بين اللبنانيين تجدد إنتاج النظام الطائفي اللبناني، والنظام الطائفي يعيد إنتاج الإنقسامات الطائفية بين اللبنانيين. والمشكلة الكبرى أن اللبنانيين متمسكون بالطائفية نظاماً عاماً للحياة والكيان. وهو ما يحجز الإندماج الإجتماعي فيما بينهم ويعلق التكون الوطني للبنانيين شعباً واحداً إلى أمد غير منظور. إن هذه إشكالية لن تجد حلاً لها داخل النظام الطائفي اللبناني. وحلها يبدأ بتكون اللبناني مواطناً خارج طائفة. وهذا يعني أن الحل يكون بتحول إبن الطائفة إلى لبناني حقيقي، إنتماؤه إلى لبنان الوطن أولاً وأخيراً. إنه لا شك حلّ من طبيعة وطنية مضادة للطائفية ولمصالح الزعامات والنخب الطائفية والطبقة السياسية التي تتربع على رأس الهرم في النظام الطائفي.
2. فشل النظام الطائفي اللبناني، على إمتداد تاريخه، في حل أزمة الإنقسامات والصراعات الطائفية وصهر اللبنانيين في شعب واحد وبناء المواطن الحرَّ والدولة، وتحقيق عيش مشترك مستقر بين الطوائف اللبنانية. وعلى العكس، فلقد كان تاريخ هذا النظام، تاريخ حروب ومذابح طائفية وتهجير ودمار وخراب طاول مدن وبلدات وقرى لبنان.
منذ مذابح العام 1940، والحروب الطائفية تتكرر في البلد كل عدد من السنين. وغالباً ما تحتدم الصراعات السياسية بين الطوائف وترتفع وتيرة الشحن والتعبئة الطائفية لدى اللبنانيين في فترات السلم الأهلي، ويساهم ذلك في التحضير لقتال جديد قادم.
مع كل حرب ومع كل إحتدام في الصراع السياسي بين الطوائف، كان الإنقسام بين اللبنانيين يتجذر ويصبح أكثر عمقاً، وكان البلد يرتد إلى الوراء مبدَّداً ما كان قد أنجز على طريق تأسيس وحدة لبنانية في فترات الهدوء والإستقرار. (تبدد الوحدة العمالية والحركة الطلابية التي تحققت قبل العام 1975 في دولة الإستقلال).
كما فشل النظام الطائفي اللبناني في تحقيق إستقلال حقيقي للبلد. والحال، أن جميع الزعامات الطائفية والنخب الطائفية للطبقة السياسية السائدة منكشفة على الدول الخارجية. وإن الشطر الأكبر من القرارات في القضايا الكبرى المتعلقة بحياتنا ومصيرنا وحاضرنا ومستقبلنا تتخذ خارج البلد. ذلك أن الوصاية الخارجية على البلد هي في أساس النظام الطائفي. وإن خضوع الزعامات الطائفية واركان الطبقة السياسية السائدة لوصايات خارجية هو النهج الذي إعتمد منذ أن نشأ هذا النظام الطائفي. فكل طائفية سياسية تستقوي بخارج ما من أجل زيادة نفوذها في الداخل وتقوية وزنها في المعادلة الطائفية.
كذلك تتحمل الزعامات الطائفية والأجنحة الطائفية للطبقة السياسية السائدة المسؤولية عما آل إليه وضع البلد في الشأن الإقتصادي – الاجتماعي من نهب وهدر وتوزيع للمنافع والمغانم ومسرفات وتخريب في القطاع العام .. إلخ؛ وهو ما شكل شطراً كبيراً من المديونية التي ترتبت على البلد، وسبباً لتفاقم الأزمة الإقتصادية ووصولها إلى مستويات قد تستحيل المعالجة معها.
إن الثمن الأكبر الذي يدفعه البلد في إستمرار سيادة في هذا النظام الطائفي، هو هذا القيد الذي يحجز إمكانية دخول البلد في مسار يؤدي إلى تجاوز هذه المراوحة المديدة في تطوره الاجتماعي عند الدرجة التي توقف عندها منذ القرن التاسع عشر: جماعات لبنانية مستقلة ومتجاوزة، لكل منها كيان خاص يتمتع بنسبة عالية من الإستقلالية وتقيم فيما بينها علاقات تعايش في فترات معينة، وعلاقات صراع حاد وحروب مدمرة في فترات كبرى.
وتتبدى الإشكالية الرئيسية في أن لا مصلحة للطائفيات السياسية في تطور البلد وتقدمه بإتجاه بناء فرد حر ومواطن كأساس لإنجاز الوحدة اللبنانية أولاً، وتجاوز هذه الإعاقة في التكون الوطني للبنانيين شعباً موحداً ثانياً، وقيام دولة لبنانية موحدة ثالثاً.
3. ثبت في التجربة التاريخية أن روحية العيش المشترك الميثاقية بين الجماعات الروحية التي يتكون منها لبنان، والتي يجري تقديمها في تبرير وجود النظام الطائفي، وسبباً للتمسك به "نموذجاً حضارياً فريداً" كما يقال، تبث في التجربة أن هذه الروحية، كانت أعجز من أن تعالج مسائل الإنقسام بين اللبنانيين.
فالإشكالية في الأساس بنيوية تثبت إستحالة حل الأزمة الأصلية: أي أزمة الإنقسامات بين اللبنانيين، ضمن إطار النظام الطائفي اللبناني.
4. لا يبدو حتى الآن، أن خلاص البلد من أحكام الصراع الطائفي يمكن أن يتحقق في المدى المنظور. فهذا الصراع سيستمر إلى ان يصل اللبنانيون في تطورهم إلى درجة من النضج الإجتماعي والعقلانية المتنورة يمكن معها أن نقضي بأمر هذا الصراع. لذلك فإن أي تسوية جديدة يمكن أن تصل إليها الزعامات الطائفية، بالحوار الدائر الآن أم بوسائل أخرى، لن تأت بحل لأزمة النظام الطائفي. فهذه لن تجد حلها إلا على صعيد تغيير بنيوي لا تعالجه عادة، تسويات تحمل تفاهماً على المحاصصة الطائفية يتوافق مع توازنات الظرف الراهن في حينه.
نادراً ما تأتي التسويات الطائفية بالاستقرار الموعود للبلد. فالطوائف تميل بطبيعتها إلىالتملص من أحكام أية تسوية والتفلب من الوفاء عما وافقت عليه. وتسعى كل طائفة إلى ترجمة التسوية وفقاً لمصلحتها. فاللحظة التي يجف فيها حبر التوقيع على التسوية هي اللحظة التي تبدأ فيها عناصر المضمر لدى كل طائفة بالانكشاف ببطء. ويوماً بعد يوم ينكشف أن عناصر الخلاف بين الطوائف حول رؤية كل منها للتسوية هي أكثر من عناصر الإتفاق. فكل طائفة تحاول أن تلوي بنود التسوية لصالحها على حساب مصالح الطوائف الأخرى. ولهذا لا تصمد التسويات الطائفية في لبنان ويدب الخلاف حولها قبل أن يبدأ تطبيقها. وينكشف تباعاً أن التسوية الجديدة تضيف إلى أزمة النظام الطائفي عناصر تفجير جديدة.
مرة أخرى، نحن إزاء إستحالة صياغة تسويات طائفية، راسخة وتمتلك ثباتاً نسبياً من مادة النظام الطائفي إياه وضمن إطاره.
5. ننتهي إلى أن التكوين الوطني المعاق للشعب اللبناني وللإنسان كمواطن حر، هو جوهر أزمة لبنان الكيان والنظام السياسي الطائفي في آن. وأن خلاصة ما إنتهى إليه التطور الاجتماعي في لبنان هو هذه المراوحة المديدة عند الدرجة التي بلغها في القرن التاسع عشر حيث الغلبة في البنى الاجتماعية لا تزال لعناصر الانقسام الطائفي والانقسام حول الهوية اللبنانية، وفي إطار هذا الانقسام تختزل الطائفة الفرد وتلغي المواطنة، كما تتمتع بحيز كبير من الاستقلالية تجاه البلد وتجاه طوائفه الأخرى بصفتها كيان مختلف ومتميز عن الآخر.
ثالثاً: التغيير الديمقراطي العلماني هو الحل لأزمة لبنان: الكيان – النظام الطائفي
لن تجد أزمة لبنان الكيان – النظام الطائفي حلاً لها داخل النظام الطائفي اللبناني. فالحل يبدأ بتكون اللبناني مواطناً خارج طائفته، وهذا يعني أن يتحول إبن الطائفة إلى لبناني حقيقي، إنتماؤه إلى لبنان – الوطن اولاًوأخيراً. هذا من ناحية.
من ناحية ثانية، نرى أن تحديث التمثيل السياسي اللبناني، بحيث يعكس هذا التمثيل التعددية الواقعية والفعلية الموجودة في المجتمع اللبناني، يطور البلد بإتجاه يؤدي تدريجياً إلى التمكن من حجز إحتمالات تفجر الأزمة اللبنانية في البلد صراعاً سياسياً محتدماً وإقتتالاً. وبديلاً عن ذلك ينقل التحديث الصراع السياسي إلى داخل المؤسسات التمثيلية.
من ناحية ثالثة، إن تحديث التمثيل السياسي يفترض تحرير إستحقاق رئاسة الجمهورية اللبنانية من تدخل دول الخارج ووصايتها، ومن الصفقات والمساومات بين الزعامات والكتل الطائفية في المجلس النيابي ومن البازار والابتزاز المذل الذي تخضع له البلاد، واللبنانيين جميعاً عند كل إستحقاق رئاسي. كما يفترض تحرير الإرادة الشعبية من هذه الاختزالية النيابية المديدة التي فرضت على اللبنانيين. وذلك يكون بأن يتم إنتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية من الشعب مباشرة.
إن معالجة الازمة اللبنانية يطرح مسائل علمنة القضاء واستقلاليته عن وصاية السلطة التنفيذية وانتخاب السلطة القضائية العليا من الجسم القضائي نفسه ومنحها كل الصلاحيات المتعلقة بعمل الجسم القضائي وشؤونه المالية والادارية.
كما تطرح معالجة الأزمة اللبنانية أيضاً، مسائل تحديث قوانين الاحوال الشخصية والزواج وتحديث مؤسسات الدولة واداراتها ومؤسسات القطاع العام.
إن تحقيق التحديثات المقترحة، وإن كانت لا تنتقل بالبلد إلى ديموقراطية علمانية متكاملة، إلا أنها تضعه في مسار تطور صراعي سلمي متدرج ومديد على طريق حل أزمة لبنان الكيان – النظام الطائفي. إن تحقيق حل ديموقراطي علماني متكامل للأزمة اللبنانية هو حل صعب، لكنه ليس بالمستحيل. وعلىالعكس، فالتجربة التاريخية على إمتداد مئة وخمسة وستين عاماً أثبتت أن التطلع نحو معالجة للازمة اللبنانية في إطار النظام الطائفي اللبناني هو الحل المستحيل.
إن كل ذلك يطرح ضرورة حركة ديموقراطية علمانية مستقلة فعلاً.
رابعاً: مشروع نقاط برنامجية أولية لعمل سياسي ديمرقاطي علماني
إنطلاقاً مما حملته هذه الورقة تطرح "حلقة نقاش لبنان ديمقراطي علماني – لنبدأ" النقاط البرنامجية الآتية:
1. في مجال التمثيل السياسي:
أ. تطبيق اتفاق الطائف لجهة تمثيل اللبنانيين والقاضي بإنشاء مجلس نيابي غير طائفي يتم انتخابه على أساس المحافظة دائرة انتخابية وتكون المواطنة والنسبية قاعدتين أساستين في قانون الانتخاب المتعلق به من جهة، وإنشاء مجلس شيوخ يتمثل فيه اللبنانيون وفقاً لمناطقهم وطوائفهم ويتم إنتخابه على قاعدة الدائرة الفردية من جهة ثانية.
ب. انتخاب رئيسا لجمهورية اللبنانية بالاقتراع الشعبي المباشر.
ج. تخفيض سن الانتخاب إلى ثمانية عشر عاماً
د. وضع تنظيم للاعلام والدعاية الانتخابية على قاعدة المجانية وبما يؤمن فرص متساوية ومتكافئة لجميع اللوائح والمرشجين.
ه. إلغاء الضمانة المالية
2. على الصعيد القضائي.
أ. إلغاء وصاية السلطة التنفيذية علىالقضاء وحصر صلاحية وزير العدل بتوجيه النيابات العامة
ب. إنتخاب السلطة القضائية من الجسم القضائي بالاقتراع السري المباشر مرة كل سنتين.
ج. جعل السلطة القضائية المنتخبة المرجع الوحيد في تنظيم وإدارة عمل القضاء في جميع الشؤون بما فيها الشأن المالي. والاشراف على كيفية تنفيذ الاحكام وتطبيقها وحفظ الحقوق الإنسانية للمساجين وتحديث القوانين المتعلقة بها وإصلاح السجون بما يحفظ الكرامة الإنسانية للمساجين.
د. إلغاء الطائفية في القضاء
ه. جعل السلطة القضائية المرجع الوحيد في تنظيم وادارة عمل معهد القضاء.
3. على صعيد الأحوال الشخصية:
وضع قانون مدني إختياري للأحوال الشخصية
وضع قانون زواج مدني إختياري
4. على صعيد الادارة:
- وضع برنامج خطة عمل لإصلاح وتحديث الإدارة وفقاً للقواعد الآتية:
- إلغاء طائفية الوظيفة
- تطبيق مبدأ الكفاءة والنزاهة والمستوى التعليمي في الادارات العامة.
- تفعيل مجالس الرقابة والتفتيش والخدمة وإخضاع عمل هذه المجالس لإشراف ورقابة ووصاية السلطة القضائية.
- إقرار حرية العمل النقابي لموظفي الدولة والقطاع العام.
خامساً: ضرورة برنامج متكامل لعمل ديموقراطي علماني
نسجل أخيراً الحاجة إلى نقاش وصياغة نقاط برنامج متكامل لعمل الديموقراطية العلمانية في لبنان يتناول بالمعالجة كافة القضايا والشؤون التي تتعلق بحياة ومصير لبنان واللبنانيين في كافة المجالات والمسائل الكيانية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والبيئية والنقابية العمالية والمهنية والزراعية.
حلقة "نقاش لبنان ديموقراطي علماني – لنبدأ"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق