حلقة نقاش
لبنان ديمقراطي علماني
شباط سنة 2007
لا أفق لتسوية سياسية في لبنان
ما تزال الأزمة السياسية اللبنانية تراوح، منذ عدة أشهر، عند نقطة التعليق إياها، بعد أن بات واضحاً أن مصادر هذا التعليق المديد للازمة داخلية أولا وأساساً، وهذه تتعلق بصراعات الطوائف على السلطة والحكم من جهة، وأميركية وسورية من جهة ثانية. ومما يزيد الأمر صعوبة هو أن المساعي السعودية – الإيرانية معطوفة على حركة الأمين العام للجامعة العربية لم تتوصل حتى الآن إلى تحقيق بدايات تفاهم بين الأطراف الطائفية المتصارعة يمكن من صياغة تسوية طائفية ما فيما بينها .
وقد أظهرت الحشود الشعبية التي استحضرتها قوى 14 آذار في الذكرى الثانية لاغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري مدى توازن القوى في تجييش كل من طرفي الصراع لجمهوره في محاولة لتأكيد امتلاكه الأكثرية، وأكدت الخطابات التي ألقتها قيادات 14 آذار في المناسبة وبعدها خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله مدى الانقسام الأهلي اللبناني وعمق الخلافات الداخلية بين مكونات المجتمع اللبناني، وعجز الأطراف الداخلية وعدم قابليتها لانجاز التسوية.
ويرتبط هذا الوضع الداخلي مع تطورات تلحظها المنطقة بتأثير من الدول المؤثرة.
الموقف الأميركي:
فالمشروع الأميركي ما زال مصراً على تفكيك وإعادة بناء كيانات المنطقة ضمن رؤية الإدارة الأميركية لشرق أوسط جديد ممسوك أميركياً، تجري فيه واشنطن جراحات عميقة وعلى شعوب المنطقة تحمل آلام هذه الخطة. وترعى الإدارة الأميركية الانقسامات المجتمعية في كل كيان من الكيانات المختلفة، لذلك تجلى موقفها برفض إفساح المجال أمام أية تسوية تلوح في الأفق اللبناني. وعدم إعلان موقف نهائي من اتفاق مكة بين الأطراف الفلسطينية من خلال رفع مستوى الشروط المطلوب تنفيذها من أية حكومة وحدة وطنية فلسطينية قادمة. ورغم التغييرات التي أجرتها الإدارة الأميركية في إستراتيجيتها العراقية فلا زالت خطتها تقوم على تغذية الاتجاهات الانفصالية التي تسعى لعراق كونفدرالي قائم على ثلاثة أقاليم.
رغم غياب أي قطب موازي للولايات المتحدة التي تسعى لتكون شرطي العالم، إلا أن تطورات بدأت تظهر مؤخراً من خلال السياسة الروسية.
الموقف الروسي:
يبدو أن روسيا تعود لتبدأ ببناء موقع أساسي لها في العالم، بعد أن أحست بالخطر الأميركي الزاحف حولها والذي يسعى لتطويقها بقواعد عسكرية تتمركز في الجمهوريات السوفياتية السابقة في أسيا الوسطى وتشكل حسب رأي روسيا خطراً على الأمن القومي الروسي، فكان لافتاً الاعتراضات الروسية على السياسة الأميركية حيال إيران والشرق الأوسط. وأكد ذلك الجولة التي قام بها الرئيس الروسي بوتين إلى عدد من دول المنطقة. أنها بدية حرب باردة. نعم، ربما كان ذلك صحيحاً وقد بدأت واشنطن تدرك ذلك. وتتوافق السياسة الروسية مع سياسة عدد من دول المنطقة. التي تحاول الاقتراب من صياغة تسوية سياسية في لبنان وخصوصاً المملكة العربية السعودية.
الموقف السعودي:
لأول مرة منذ عام 1973 تتباين المواقف الأميركية مع المواقف السعودية فالمملكة العربية السعودية تشعر أن انفجار الصراع بين السنة والشيعة في المنطقة سيلقي بظلاله وتأثيراته على الوضع الداخلي السعودي مما دفع القيادة السعودية إلى بذل الجهود من أجل رعاية تسوية لبنانية – لبنانية وهذا ما ظهر من خلال الدور النشط الذي يلعبه السفير السعودي في بيروت عبد الرحمن الخوجة والزيارات المتكررة للزعماء اللبنانيين إلى رياض، وإذا كانت المملكة العربية السعودية نجحت في دفع الأطراف اللبنانيين إلى الرياض، وإذا كانت المملكة العربية السعودية نجحت في دفع الأطراف الفلسطينية إلى التوقيع على اتفاق مكة يفتح الباب أمام اتفاق فلسطيني لتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية، إلا أنها ما زالت عاجزة عن إنضاج تسوية لبنانية لأسباب تتعلق بالبنى الاجتماعية اللبنانية والذي يسعى كل طرف إلى محاولة الهيمنة على لبنان من جهة، وأسباب أخرى تتعلق بالأطراف الخارجية المؤثرة في لبنان والرافضة لعقد تسوية جديدة في لبنان وهما الإدارة الأميركية والنظام السوري.
الموقف السوري:
فالمشروع السوري حيال لبنان يراوح مكانه، والنظام السوري ما زال يحلم بالتوصل إلى تسوية مع واشنطن تؤمن له استعادة دور إقليمي فقده عندما أجبر على الخروج من لبنان في 28 نيسان 2005، ولا يجد طريقاً للوصول إلى اتفاق مع الاميركان سوى بتصعيد الأزمة الداخلية ودعم الأطراف المحسوبة عليه والوقوف بوجه أية تسوية يمكن أن ينتجها الوضع العربي، ويعرف النظام السوري أن استقرار الوضع اللبناني والتوصل إلى تسوية تحافظ على استقلالية نسبية للموقع اللبناني من شأنه أن يضعف من وضعها الداخلي ويفتح الباب أمام رياح التغيير المجهول. وإذا كان النظام السوري يعيش عزلة عربية وخصوصاً أن معظم الأبواب موصدة في وجهه، فلم يعد له نافذة سوى الجمهورية الإسلامية في إيران.
الموقف الإيراني:
وإذا كانت إيران تمتلك خطة أصلية للمنطقة تقوم على مد نفوذها إلى البحر المتوسط عبر لبنان وغزة وتحاول التوصل إلى اتفاقات متعددة مع واشنطن يحفظ لها النفوذ في العراق وأفغانستان ويعطيها دوراً أساسياً في المنطقة، ولو على حساب الدول العربية المحسوبة على الإدارة الأميركية، لكنها أدركت أن الصراع المكشوف بين السنة والشيعة في المنطقة سيقلص من نفوذها ويمنعها من بناء موقع مميز في المنطقة لذلك بات النظام الإيراني على قناعة أن الوقوف بالكامل وراء قوى 8 آذار اللبنانية سيضعف موقفها الإجمالي. وأصبح ب لها ضرورياً التوصل إلى اتفاق مع الرياض لرعاية تسوية سياسية في لبنان.
لكن يبدو أن الاتفاق السعودي – الإيراني حول الوضع اللبناني يصطدم بعوائق وحواجز داخلية لبنانية وخارجية سورية – أميركية، مما يدفع الاستنتاج إلى ما يمكن أن ينتجه أي اتفاق هو هدنة لبنانية داخلية يمكن أن تكون محطة للانطلاق نحو تسوية، ويمكن أيضاً أن تكون استراحة محارب تفتح الباب أمام إعادة فتح الصراع بين القوى الطوائفية والمذهبية وخصوصاً أن التطورات التي شهدتها البلاد مؤخراً تشير إلى انسداد أفق التوصل إلى تسوية متوازنة. وان القوى ليست بوادر التوصل إلى مثل هذه التسوية، وليست قادرة على ذلك أيضاً. ويترافق كل ذلك مع غياب المساحات المشتركة بين اللبنانيين وارتفاع الحواجز بينهم وغياب مشروع وطني ديمقراطي مستقل، مما يجعل من اللبنانيين بشر يعيشون في مساحة جغرافية يحلمون بوطن معلق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق