نرحب بكم على مدونة التجمع الديمقراطي العلماني

الأربعاء، أبريل 23، 2008

حول المحكمة الدولية


حلقة نقاش
لبنان ديمقراطي علماني
حزيران سنة 2007

حول المحكمة الدولية
الاتفاق بين اللبنانيين هو المخرج الوحيد

لا نعتقد أن مصلحة اللبناني تتحقق إذا نجح فريق في فرض المحاكمة الذي يريد وانفجر البلد كنتيجة. وكذلك لا تتحقق مصلحة اللبناني إذا ما تخلى الفريق الآخر عن تحمل المسؤولية الوطنية الواجبة في التعامل مع جرائم الاغتيال السياسي.

والحل لا يكون بالتأكيد: إما محكمة دولية وفق ما يريد فريق بالقوة، وإما عدم تحمل المسؤولية الوطنية في التعاطي مع جرائم الاغتيال السياسي، وبالتالي لا محاكمة بالقوة. ونعتقد أن التسوية الجدية بين الطوائف هي سبيل وحيد لحل لبناني مؤقت وسبيلنا إلى مواجهة مسلسل الاغتيالات المستمر.


منذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وبدء الحديث عن المحكمة الدولية في البلد، بدأ صراع داخلي حولها. كان صامتاً في البداية، ثم تدرج في ظل استمرار جرائم الاغتيال، وأصبح صاخباً. واندرج هذا الخلاف حول المحكمة الدولية في إطار الصراع الداخلي بين الطوائف اللبنانية.
فريق 14 آذار يقول أنه يريد المحكمة الدولية لمعرفة قتلة الرئيس الحريري ومعاقبتهم. ويرى أن هذا يضع حداً لمسلسل الاغتيالات ويحمي البلد من المخططات الإجرامية التي يرتكبها النظام السوري بحقه، فضلاً عن حمايته لاستقلال البلد. لا شك أن فريق 14 آذار يريد ما يقول. ولكن ما يريده أيضاً، فوق ذلك، توجيه ضربة إلى فريق 8 آذار عبر إقرار المحكمة الدولية. وهذه مسألة أساسية بالنسبة له. ومن هنا أتى رفض فريق 14 آذار لإجراء أية تعديلات جوهرية تتناول مواد نظام المحكمة الدولية بالمضمون، وهو ما كانت تشير إليه قوى 8 آذار.
وهذا الرفض عبر عنه صراحة عدد من أركان 14 آذار، على اعتبار أن الغرض من مثل هكذا تعديل هو حماية النظام السوري من العقاب.
أما بالنسبة لفريق 8 آذار، فقد اعترض على نظام المحكمة كما اقترحته الحكومة اللبنانية وأقرته مؤخراً الأمم المتحدة تحت الفصل السابع. واعتبر العماد عون والرئيس بري أن إقرار المحكمة الدولية تحت الفصل السابع يمس بسيادة البلد، في حين لم يقترح "حزب الله" على اللبنانيين مشروع نظام آخر للمحكمة يقارب القوانين الجزائية المعمول بها في الدول والهيئات الدولية، مما يرجح الشبهة التي تقول أن "حزب الله" لا يريد المحكمة دولية أصلاً.
ومن نافل القول أن إقرار المحكمة الدولية تحت الفصل السابع شكل انتصار أو مكسباً لفريق 14 آذار، وخسارة لفريق 8 آذار على الصعيد الداخلي. ويتحمل الفريقان المسؤولية عن وصول أمر المحكمة الدولية إلى ما وصلت إليه.
مع إقرار المحكمة الدولية في الشهر الماضي، وللمرة الأولى منذ الاستقلال، يصل انكشاف الداخل اللبناني على الخارج إلى ذروة عالية جداً لم يصلها قبل الآن. وعلى عكس ما يقوله فريق 14 آذار حول أن إقرار المحكمة سيكرس استقلال لبنان ويحميه، فإن هذا اللون الجديد من التدويل والانكشاف اللبناني على الخارج يحمل مخاطر عدة قد لا نستطيع تلمس مداها في اللحظة الراهنة. لكن من غير المستبعد أن تؤدي "المحاكمة" إذا ما جنحت، إلى مزيد من التبعية والالتحاق لأطراف الداخل اللبناني بالخارج: الأميركي – الأوروبي من جهة، والسوري – الإيراني من جهة أخرى. على الأقل، فإن المحاكمة قد تفتح صفحة جديدة تزخم الصراع الطائفي في الداخل، وتعلق التسوية بين الطوائف اللبنانية لمدة أطول، وقد تدفع بالتوتر بين لبنان وسوريا إلى ذروة أعلى مما هي عليه اليوم.
لا شك أن الطبقة السياسية اللبنانية مجتمعة، وبكافة أجنحتها الطائفية (وبشكل خاص فريق 14 آذار و8 آذار) تتحمل المسؤولية عن النهج الذي اعتمدته في التعاطي مع جريمة اغتيال الرئيس الحريري. لا سيما لجهة توظيف الجريمة في إطار الصراعات الطائفية في البلد وانكشافها على الوضعين الدولي والإقليمي. وهو ما أدى إلى تعطيل القضاء اللبناني وربط مسار التحقيق بالأطراف الخارجية، مروراً بتعذر الاتفاق بين قوى 14 آذار وقوى 8 آذار على نظام محكمة دولية يتوافق مع ما تعتمده الدول عادة من أنظمة وقوانين جزائية، وصولاً إلى توسل المحكمة الدولية هراوة ضغط وترهيب تستعملها الولايات المتحدة الأميركية في مواجهة الخصوم والأصدقاء من دول المنطقة على السواء.

وهنا لا يفيدنا الدخول في تفاصيل التجاذبات والخلافات بين الفريقين حول المحكمة الدولية أو نقاش الردود والردود المضادة.
ويكفي أن نشير إلى أن كلا الطرفين لم يتحملا المسؤولية الوطنية المطلوبة في التعامل مع هذه الجريمة. إذ أن جلّ هم قوى 14 آذار كان فرض نظام "محكمة دولية" على البلد. يتضمن فيما يتضمن مواد جنائية لا نعتقد أنه يمكن اعتمادها في القوانين الجزائية في أي بلد من البلدان المتقدمة. في حين أن قوى 8 آذار لم تتعاطى بالجدية المطلوبة مع المسألة، حيث لم تطرح على اللبنانيين نظام محكمة دولية آخر يتوافق مع القوانين الجزائية المعمول بها في لبنان وفي بلدان العالم المتقدم، وعزوفها عن ذلك سهّل اتهامها من قبل الفريق الآخر بأنها تسعى إلى عرقلة قيام هذه المحكمة أصلاً.

نختم بالتساؤل: هل سيدرك أركان الطوائف وزعاماتها أنه بات ينبغي إخراج جرائم الاغتيال السياسي من دائرة الصراعات الطائفية كي يتمكن اللبنانيون من التوصل إلى إجماع وطني يؤمن مناعة داخلية ضرورية لمواجهة مسلسل الاغتيال السياسي المستمر.

ليست هناك تعليقات: