حلقة نقاش
لبنان ديمقراطي علماني حول ضرورة حركة جديدة للتغيير
ديمقراطية علمانية مستقلة
أما آن للبنانيين أن يدركوا أن انتصار أي من الفرقاء الطائفيين في الصراع الداخلي لا يقدم خلاصاً حقيقياً للبلد، سواء كان المنتصر 8 آذار وحلفاءها، أو كان جماعات 14 شباط، وأن جل ما يستطيع المنتصر والمهزوم تقديمه هو تعميق الانقسامات الطائفية بين اللبنانيين وإعطاء زخم جديد أكبر للصراع الطائفي؟؟
المصير في المشهد السياسي:
يشهد لبنان في هذا الطور الانتقالي من تاريخه، ذروات جديدة في تفجر أزمة نظامه الطائفي وعلاقات الانفصال والانقسام بين جماعاته وعائلاته الطائفية. ولقد وصل هذا التفجر إلى درجة وضعت البلد معها أمام مخاطر مصيرية لم يجرِ اختبارها في صراعاتنا السابقة. سابقاً، كانت الأجنحة الطائفية في الطبقة السياسية اللبنانية المسيطرة تتوصل إلى تسويات مؤقتة فيما بينها تضع حداً للتفجر وتؤمن للبنانيين بعض الاستقرار، وتخفف كثيراً من حدة وزخم الصراعات والتوتير الطائفي. أما الآن لا يبدو في الأفق مخرجاً ممكناً، ونادراً ما شهد البلد الحالة التي يعيشها الآن. حيث عجزت الطبقة السياسية اللبنانية عن توليد هيمنة طائفية جديدة تحكم البلد بديلاً لهيمنة سابقة قضت. وعجزت حتى الآن أيضاً، عن صياغة تسوية محاصصة طائفية جديدة فيما بين أجنحتها، تمكن من تركيب حكم جديد يقوم على الائتلاف بين الطوائف من ناحية ثانية. (راجع المقالة السياسية للحلقة في هذا لعدد).
والمشهد السياسي يدعو إلى الحزن والسخرية معاً:
فالطبقة السياسية اللبنانية مجتمعة، تبدو مشلولة وعاجزة عن إنتاج حكم جديد.
ورغم ذلك، وما يدعو للسخرية أكثر في هذا المشهد السياسي:
لدينا طبقة سياسية عاجزة إلا أن أركانها يتقاسمون الطوائف اللبنانية فيما بينهم واللبنانيون يقبلون، لا بل يستنفرون في مواجهة بعضهم البعض في أمواج بشرية، وكل يجدد الثقة بزعماء الطائفة التي ينتمي إليها.
والتساؤل:
هل قدر علينا وعلى أحفاد أحفاد ... أحفادنا الخضوع لأبدية نظام طائفي تتوارثه الطبقة السياسية المسيطرة والنخب العليا وتنعم فيه بالسلطة والامتيازات والمنافع فيما جماهير الطوائف (أي اللبنانيين) تدفع الثمن وتتحمل كلفة الانقسام والصراع الطائفي... ولا تحصل إلا على الفتات؟
أليس من مخرج خلاص من عذابات وآلام "قدر" يعيد اللبنانيون أنفسهم تجديد إنتاجه في كل يوم مع تجديد انتمائهم في كل لحظة إلى طوائفهم (بديلاً عن الوطن) وتجديد ثقتهم بزعامات طوائفهم؟؟
ما تحمله هذه المقالة عدة نقاط يربط فيما بينها قناعة بضرورة تأسيس حركة جديدة ديمقراطية علمانية مستقلة تقطع مع الطائفيات اللبنانية جميعاً، وتدفع بالبلد إلى الخروج من حالة التخلف الطائفي التي تمسك به وتحجز تطوره لتنقله إلى رحاب العصرنة والحداثة.
لا شك أن الانتقال بالبلد من حالة التخلف الطائفي الذي بات يسكن عقول اللبنانيين ويمسك بنمط حياتهم ويتغلغل عميقاً في بنى مجتمعهم، إلى حالة لبنان المجتمع المدني الذي يقوم على بناء الإنسان المواطن – الفرد الحر، لن يتم إلا عن طريق التغيير الديمقراطي العلماني. وهو تغيير متدرج وصعب وطويل جداً إلا أنه ليس بالمستحيل. فهو الخلاص الوحيد الممكن.
والمستحيل هو حل أزمة انقسام وصراع طائفي طال عقوداً، في إطار نظام طائفي متخلف.
النقطـة الأولى:
فشل النظام الطائفي اللبناني على امتداد تاريخه: أي منذ نشأته في العام 1843 ( القائمقاميتين الدرزية والمسيحية) وحتى الآن، في حل أزمة الانقسامات والصراعات الطائفية بين اللبنانيين، وفي بناء مواطن حر، ودولة حديثة، وتحقيق عيش مشترك مستقر بين الطوائف اللبنانية، وعلى العكس، فلقد كان تاريخ لبنان في ظل هذا النظام، تاريخ حروب أهلية ومذابح طائفية وتهجير وخراب طاول مدن لبنان وبلداته وقراه كافة.
لقد حالت الانقسامات والصراعات الطائفية بين اللبنانيين دون دخولهم في مسار تطور متدرج يؤدي إلى تحقيق الاندماج الاجتماعي فيما بينهم ليشكلوا شعباً واحداً. وإن خلاصة ما انتهى إليه التطور الاجتماعي للبنان في ظل هذا النظام الطائفي، هو هذه المراوحة المديدة عند الدرجة التي بلغها البلد في القرن التاسع عشر، حيث الغلبة في البنية الاجتماعية اللبنانية لا تزال حتى الآن لعناصر الانقسام والفرقة والصراع بين الجماعات الطائفية التي يتكون منها اللبنانيون.
وتستمر الإعاقة في التكون الوطني للبنانيين شعباً واحداً.
والمشكلة الكبرى أنه في ظل استمرار هذا النظام، وفي ظل تمسك اللبنانيين بولاءاتهم وانقساماتهم وصراعاتهم الطائفية، يستحيل تحقيق الاندماج الاجتماعي بينهم ليشكلوا شعباً واحداً. وهكذا يعلق اللبنانيون (وليس الآخرون) إلى أمد غير منظور، تطورهم الاجتماعي نحو الانتقال للعصرنة والحداثة والتقدم الاجتماعي. وفي حال استمر ذلك، يتأبد تخلف اللبنانيين الاجتماعي عن ركب التطور السريع الذي دخلته شعوب وأمم كثيرة، ولما ندخله بعد.
النقطة الثانية:
إن التاريخ أثبت أنه منذ تأسيس دولة لبنان الكبير وحتى الآن، عجزت الطبقة السياسية اللبنانية عن معالجة قضايا الانقسام والصراع الطائفي بين اللبنانيين. ذلك أن السياسات التي اعتمدتها هذه الطبقة من ناحية، والصراعات التي كانت تندلع غالباً بين أجنحتها الطائفية على المحاصصة من ناحية ثانية، كما برامج الأحزاب الطائفية والمذهبية وممارساتها من ناحية ثالثة، جذرت وعمقت الانقسام بين اللبنانيين بدل أن تدفع به على طريق الحل. كذلك ثبت في التجربة أن جميع التسويات الفوقية التي عُقدت بين الأجنحة الطائفية للطبقة السياسية اللبنانية لم تقدم حلاً (الميثاق الوطني سنة 1943، تسوية لا غالب ولا مغلوب عام 1958، ميثاق الطائف، وكافة التسويات الأخرى). وظهر واضحاً أن "روحية العيش المشترك" بين الجماعات اللبنانية والتي تتحدث عنها المراجع الدينية والزعامات الطائفية هي أعجز من أن تعالج قضايا الأزمة اللبنانية المستمرة منذ القائمقاميتين.
وعلى العكس، فإن هذه التسويات لعبت أدوار مهمة في إعادة إنتاج صياغة متجددة للنظام الطائفي في كل مرة. وفي كل مرة، كانت هذه التسويات تحمل لنا التكاذب المشترك إياه حول "العيش المشترك" نموذجاً "حضارياً فريداً " أنعم الله به على اللبنانيين.
أخيراً، لا بدَّ أن نشير إلى أن بقاء هذه الطبقة على رأس السلطة السياسية في البلد يفترض الحفاظ على الانقسامات والصراعات الطائفية أساسا للحياة السياسية فيه.
النقطة الثالثة:
لقد اثبت التاريخ أيضا، عجز الأحزاب اللبنانية – يميناً ويساراً، طائفية وغير طائفية، عن تشكيل كتلة شعبية وازنة تؤمن بخيارات لبنان الوطن لا لبنان بلد الطوائف، لبنان الشعب الواحد لا لبنان "العيش المشترك" بين طوائف متناحرة، لبنان المجتمع المدني الذي يقوم على بناء الإنسان – المواطن الفرد الحر لا لبنان الجماعات الأهلية حيث الإنسان إبن الطائفة وليس إبن وطن وشعب واحد.
لقد حملت الأحزاب والقوى السياسية الطائفية للبلد وما زالت، مشاريع هيمنات طائفية تعمق الانقسام والفرقة بين اللبنانيين وتؤبد صراعاتهم الطائفية. كذلك عجزت الأحزاب القومية في خمسينات وستينات القرن الماضي عن تأسيس تيار لبناني توحيدي عابر للطوائف (انضمت في الحرب الأهلية في العام 1958 إلى الطوائف المتقاتلة). أما أحزاب اليسار اللبناني ورغم أنها غير طائفية، فلقد انضمت في حرب العام 1958 إلى الطائفية الإسلامية. وفي إطار الصراع الذي قادته في لبنان دفاعاً عن الثورة الفلسطينية واحتضاناً لمقاومتها وفي مواجهة أعدائها. استندت على قاعدة شعبية أكثريتها إسلامية.
وهو ما جعل وجود اليسار ينحصر في الشطر الإسلامي من البلد، وما زال. ذلك لا يعني طبعاً، أن الأحزاب القومية واليسارية لم تحقق أي إنجاز على مستوى النهوض بالوطن. ولا ننسى أن بيئة اليسار اللبناني هي البيئة التي تنفرد بتقدمها الاجتماعي ولا طائفيتها، وتنتسب وحيدة إلى وطنية لبنانية جامعة.(وليس إلى طائفة)
لكن بالقياس إلى ما تطرحه هذه الأحزاب من تطلعات نحو التقدم والعصرنة، فإن إنجازاتها لم تكن على مستوى تطلعاتها وطموحاتها وشعاراتها. (وذلك ليس موضوع هذه المقالة) ويكفي أن نسجل حقيقة أن تطور الوضع اللبناني بعد الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982، دفع باليسار إلى مواضع الهامشية في جميع المجالات وأضعف قواه ونفوذه. وهو ما أدى إلى ضمور قاعدته الشعبية لدرجة باتت معها الطائفيات تحتكر منفردة ساحة العمل السياسي الشعبي، بعد أن كان اليسار يملأ هذه الساحة حركة ونشاطاً وصخباً. ودائما مستحضراً القضايا والمصالح العامة والمشتركة والجامعة للبنانيين جميعاً.
لقد فقد اليسار اللبناني رئة تنفسه السياسي والفكري.
النقطة الرابعة:
في تاريخ لبنان الحديث، أي منذ تأسيس دولة لبنان الكبير، لم تتشكل في لبنان حركة ديمقراطية علمانية مستقلة، واليسار اللبناني لم يكن كذلك. في حين كانت العلمانية ملحقاً ثانوياً ببرنامجه ومرحلة تتوسط لديه الانتقال بالبلد من نظام طائفي إلى نظام اشتراكي. ودائماً، كان التغيير الاشتراكي والوصول للسلطة وإقامة النظام الاشتراكي هو أساس كل برنامج يساري.
أما الأحزاب القومية، فلقد عاشت إشكالية التباين بين علمانية دعوتها القومية والتباس تواصلها مع مواقع وسياسات طائفية.
لم يجد الشهيد كمال جنبلاط حلاً لأزمة واقعية لازمته طيلة حياته، فجنبلاط صاحب الفكر العلماني المنفتح كان يعيش حالة التباس طائفي يومي أساسه تواصله " اضطرارا" مع الطائفيات السياسية جميعها من ناحية، وغلبه طائفية درزية على بنية الحزب التقدمي الاشتراكي الذي أسسه من ناحية ثانية. والآن يواجه الخطاب "العلماني" للتيار الوطني الحر الإشكالية الواقعية إياها، فيما لا تؤشر الوقائع حتى الآن إلى أن حالة التيار يمكن أن تُحسم لصالح غلبة للعلمانية في داخله تخرجه تدريجياً من حلقة الصراعات والتحالفات الطائفية لتنقله حقيقة إلى رحاب الديمقراطية العلمانية حيث لا مواطنية لبنانية جامعة إلا في إطارها.
أما عند الشطر المسيحي من البلد فلقد كانت العلمانية لفظية خطابية تلجأ إليها الطائفية المسيحية لإحراج الطوائف الإسلامية.
نخلص لنقول:
أن اللبنانيين على امتداد مئة وخمس وستين عاماً من حياتهم، ومنذ إنشاء القائمقاميتين في العام 1843، يعيشون حالة عجز دائم عن حل أزمة انقساماتهم وصراعاتهم المدمرة. فلا النظام الطائفي "الحضاري الفريد" ولا الطبقة السياسية المسيطرة عليه، ولا طوائف البلد ولا الدولة ومؤسساتها، ولا المراجع والسلطات الروحية ورجال الدين البارزين ولا أحزاب البلد....، فلا كل هؤلاء أمكنهم حل أزمة الانقسام والصراع بين اللبنانيين ضمن إطار النظام الطائفي إياه (أي مع الحفاظ على بقاء النظام الطائفي).
أما آن للبنانيين أن يدركوا بعد هذه التجربة التاريخية الأليمة على امتداد مئة وخمسة وستين عاماً، أن حل أزمة الانقسام والصراع الطائفي فيما بينهم تستحيل ضمن إطار المحافظة على بقاء النظام الطائفي؟
إذا كانت أزمة لبنان لن تجد حلاً لها داخل إطار النظام الطائفي إياه. فإن الحل الممكن صعب ومديد.
ويبدأ بتكون اللبناني مواطناً خارج طائفته. وهذا يعني أن يتحول ابن الطائفة إلى لبناني حقيقي. انتماؤه إلى لبنان – الوطن أولاً وأخيراً. إنه لا شك حل من طبيعة وطنية علمانية مضادة للطائفية ولمصالح الزعامات والنخب الطائفية والطبقة السياسية التي تتربع على رأس الهرم في النظام الطائفي للبلد.
"مواطنون أحرار متساوون خارج الطوائف" هو الحل. ولا حل غيره لأزمة البلد. وهو موضوع التغيير الديمقراطي العلماني فيه.
نختم فنقول:
إن خانة الديمقراطية العلمانية شاغرة في البلد، وهي عنوان التغيير الممكن، فإما أن يلج البلد هذا المسار المديد، أن يركب هذا المركب الصعب لكنه ليس بالمستحيل.
وإما أ يبقى غارقاً في انقساماته وصراعاته وحروبه العبثية بين أبنائه وطوائفه.
لقد باتت مسألة تأسيس حركة ديمقراطية علمانية مستقلة في البلد أكثر إلحاحاً من ذي قبل.
ونقطة الانطلاق، هي أن نبدأ بتكوين ثقافة جديدة ديمقراطية علمانية، ونخب تلتزم الديمقراطية العلمانية خياراً في الفكر والسياسة والرؤية الاجتماعية.
منتصف أيلول عام 2006
حلقة نقاش لبنان ديمقراطي علماني.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق