نرحب بكم على مدونة التجمع الديمقراطي العلماني

الأربعاء، ديسمبر 10، 2008

نشرة لنبدأ

لنبدأ نشرة غير دورية يصدرها التجمع الديمقراطي العلماني في لبنان
علم وخبر رقم 274/أد
العدد صفر/ آب 2008
لماذا لنبدأ؟

لنبدأ؟ لماذا لنبدأ؟ لأن سيادة الثقافة الطائفية أصبحت شبه عامة بعد اضمحلال الساحات المشتركة بين اللبنانيين، واصبح لكل طائفة من الطوائف مساحتها الخاصة وثقافتها الخاصة على حساب العام.
لذلك كان من الضروري ان نبدأ بنشر ثقافة بديلة تؤسس لوعي لبناني مواطني مشترك. فالتاريخ اللبناني كان تاريخ صراع بين عناصر الوحدة وعناصر الانقسام في المجتمع وكانت ثقافة الوحدة المجتمعية تتقدم بتوسع المساحات المشتركة وتتراجع بتآكل المساحات المشتركة.
والآن وبعد ما شهده لبنان طوال الحروب الأهلية المتوالية والتي اعادته إلى بناه الأولية، كان لا بد من جهد يحاول رسم طريق بناء الوطن الواحد وبناء الشعب الواحد، بعد أن اثبت التاريخ عجز كل الطائفيات على توحيد المجتمع واستحالة قدرتها على بناء الوطن، وكانت الخطوة الأولى أن نأخذ قرار البدء فكانت: لنبدأ.

حسن ومرقس

فيلم "حسن ومرقس" يفتح أبواباً جديدة على المفهوم العلماني

لم تكن الضجة التي أثيرت حول فيلم "حسن ومرقس" بطولة عمر الشريف وعادل إمام والذي انتج مؤخراً، إبنة الصدفة أو الأعجاب السطحي أو الحماسة لأنتاجات جديدة تماشي الانتاجات العالمية من ناحية قوة الإخراج والأداء العالي للممثلين والرسالة الكوميدية... فحسب، بل لقد تضمن الفيلم أفكاراً وعبراً تستنتج من أحداثه والمواقف والأحاديث التي يتضمنها:
- فالفكرة الأولى، تدور حول وجود فئتين في المجتمع (المصري) وهما الاسلام والمسيحية.
- والفكرة الثانية، تقول بأن هناك معتدلين في كلا الطائفتين يحاربون من قبل المتطرفين في كليهما.
- الفكرة الثالثة، أن المتسامحين قد يكونون من رجال الدين المسيحيين والعلماء المسلمين الذين لهم مكانة وتأثير على الأفراد والمجموعات.
- الفكرة الرابعة، أن التعصب موجود وواقع وليس وهماً أو كلاماً لا أساس له فهو ظاهرة اجتماعية، وبالتالي تدفعنا إلى التفكير فيه وفي أسبابه وفي تناقضه مع التوجه الاجتماعي والإنساني والعقلاني الصحيح، الذي جعل من أسرتين مختلفتين طائفياً (أسرة حسن العطار وأسرة مرقس عبد الشهيد) في حالة نهائية من الوئام والعيش الواحد الذي لا تشوبه شائبة.
- الفكرة الخامسة، أن اكتشاف التباينات الطائفية والدينية لا يحول دون استمرار العيش المصيري بين الفئتين انطلاقاً من وحدة الهموم ووحدة المجتمع ووحدة الوطن وخطر تداعيات الصراعات الطائفية الفكرية والقولية والعنفية.
الفكرة السادسة، أن ما جمع بين هذين النوذجين من المسلمين والمسيحيين في الفيلم المذكور بات أعمق وأميز من عوامل الضرورة والمصلحة، فباتت الحياة الإنسانية- الاجتماعية الحقيقية- الواقعية هي الأساس الذي توصل إليه وعي الفريقين لمواصلة الحياة الواحدة والمشتركة في كل مجالاتها (الدينية والاقتصادية والسياسية) وظروفها (السلمية والدامية) في مشهد ختم به الفيلم كالتالي:
أسرتا حسن ومرقس يداً بيد وسط النار والدم الطائفيين، رغم الضربات المنهالة عليهم، تبقى الأيادي مشبوكة والأرجل سائرة قدماً والأعين مرفوعة عن الواقع الطائفي الراهن.


ربيع داغر
البترون

قانون الانتخابات النيابية

قانون الانتخابات النيابية
الطوائف اللبنانية وتنظيم علاقات التجاور والاقتسام

بخطى وئيدة تتقدم المصالحات داخل الطوائف اللبنانية، وتبدو مرشحة لبلوغ مراحلها الأصعب عبر "لقاء القمة" المرتقب على ضفتها الإسلامية، الأمر الذي يؤمل منه أن يشكل حافزاً لإنجازٍ مماثل على الضفة المسيحية. وكان جلياً، أن "المصالحات الإسلامية" قد جرى التمهيد لها - حيث لزم الأمر- بمراحل تحضيرية داخل كل طائفة، انطوت على اعتراف ببعض التنوّع داخل الطائفتين السنية والدرزية، وهو اعتراف يأتي بمثابة الثمن المدروس الذي يمكن دفعه من أجل تكريس وحدانية الزعامة التي تنتفي لأجلها كل الفوارق السياسية. وتالياً، فإن هذا الاعتراف يشبه الحرية النسبية الممكن منحها للـ "أفخاذ" و "البطون" شرط إبداء ولائها العام للعشيرة، أما على المحور الشيعي، فإن الاطمئنان إلى منسوب العصبية المتوفر لم يبرز الحاجة لأي مصالحة.
وبذلك اختتمت المصالحات المنجزة ردحاً من علاقات التنافر والاحتراب الأهلي، دام لنحو سنتين وانتهى إلى رسم وتعيين الحدود بين الطوائف. وهو احتراب يحمل دعواه بنفسه: جنوح بعض الطوائف إلى الغلبة يعتبر بمثابة الخروج على التوازن اللبناني التقليدي، وبالتالي لكل جماعة لبنانية القدرة على الطعن والتشكيك، بل ونسف، هذا التوازن متى اعتبرت نفسها خارج تقديماته ومنافعه.
كما شكّلت هذه المصالحات الأرضية الضرورية لتطبيق "اتفاق الدوحة"، وما حمله من حلول تنقل النزاعات إلى داخل المؤسسات. وفي هذا السياق شُرّعت أبواب المجلس النيابي ليتمخّض عنه بعد طول "صيام" القانون الناظم للانتخابات النيابية المقبلة المعروف بقانون العام 1960.
إذ تنص " وثيقة الوفاق الوطني" على مرحلة أوّلية "تكون فيها الدائرة الانتخابية هي المحافظة" على أن تمهّد هذه المرحلة لوضع قانون نسبي خارج القيد الطائفي، وعلى "ضرورة إجراء الانتخابات النيابية بما يراعي العيش المشترك بين اللبنانيين، ويؤمّن صحة التمثيل السياسي لشتّى فئات الشعب وأجياله، وفعّالية ذلك التمثيل بعد إعادة النظر في التقسيم الإداري في إطار وحدة الأرض والشعب والمؤسسات". فإن قانون الستين، خلافاً لتلك الوثيقة الطموحة، قد عاد بنا القهقرى، ليعتمد القضاء كتقسيم إداري- القضاء بما هو أرض تجانس طائفي شبه صافٍ، ما سيفرز انتخابات معروفة النتائج إلى حدٍّ كبير، بحيث تأتي هذه النتائج حاصل جمعي للغلبات الطائفية المعيّنة على مناطق بعينها. أما أمر بعض المقاعد في مناطق الاختلاط الطائفي، فقد يبقى متروكاً للمقايضة، أو هو قابل للتعويض في أسوأ الأحوال.
والحال، نستطيع المجازفة بالتوقع في أن الانتخابات الموعودة لن تحمل أي انقلابات دراماتيكية في وزن الكتلتين الطائفيتين الأبرز، وهذا سيشكـّل بدوره استمراراً لغياب المرونة في النظام الطائفي، وإمعاناً في هشاشة قدرته على توليد الحلول والتسويات. خصوصاً إن اقتراب الموسم الانتخابي سيشهد المزيد من استشارة الحساسيات المذهبية كوسيلة تتقنها الطوائف وترقن إلى جدواها. أما الحديث عن نصر محاور وهزيمة أخرى، فهو أمر تأتي الإجابة عليه من موروث هذا النظام: عند حسابات الربح والخسارة، تملك الطوائف من "الرشاقة" ما يمكّنها من ترك هذا الخيار والانحياز بيسر إلى ذاك.
إن سلوك الطوائف بإقرارها لقانون الستين إنما يعطف على تراث قديم، مخالف لكل الأعراف والتقاليد الديمقراطية، التي تشكل معها الانتخابات محطة لتجديد وتداول السلطة. بحيث تنبثق السلطة التنفيذية، التي تتولى قيادة البلاد بين دورتي انتخاب عن سلطة تشريعية، منتخبة بحرية، تمثل أمامها وتسعى لنيل ثقتها وتخضع لرقابتها. الاستثناء اللبناني جعل الانتخابات مناسبة لصون السلطة التنفيذية والتمديد لها. بحيث تختار هذه السلطة، عند كل استحقاق انتخابي، القانون "الأمثل"، الذي يرعى شؤون التجاور بين طوائفها، وينسحب منطق التجاور هذا ليطال لاحقاً مجمل العلاقات الإدارية والاقتصادية والخدماتية، وليرعى نشوء شبكة من المنافع والتقديمات موازية للدولة ومتطفلة عليها.
عبّر وزير الداخلية اللبناني عن حزنه لرفض البرلمان الأخذ ببعض الجوانب الإصلاحية الناظمة لعملية الترشح والاقتراع. الأمر يتطلب مرارة أكثر، خصوصاً متى لحظنا أن هذا الاقتسام الفج لا يجمل فيه، لاشكل ورقة الاقتراع ولا الستارة، ولا الصندوق الزجاجي الشفاف.. "هذا ليس تقسيم إداري في إطار وحدة الأرض والشعب والمؤسسات"، هذا اقتسام عارٍ، الناس مدعوة فيه لتكون مجرد ديكورات في عملية شبه محسومة النتائج.


سعيد الديراني

يا ارض لاقيهن

يا أرض لاقيهن

(قصيدة معبَّرة بمضمراتها ألقيت في بلدة البابلية الجنوبية في تأبين الشهيد يونس رضا، الذي استعيدت رفاته، مع رفات 22 مقاتلاً من رفاقه إثر اكتشاف مقبرة جماعية في بنت جبيل، بعد التحرير في العام 2000 وكانوا قد استشهدوا أثناء مقاومتهم للإجتياح الاسرائيلي عام 1978).
يا ريت في عنا بنت صوتا حلو
ونْـلبْسوا أشعارنا
يلْبقلُن ويحمل أساميهن
ونقول يلا طلـّعو هالموت ملح الأرض
يا أرض لاقيهن...
نغنيلهُن من صوب بنت جبيل
طلوا عظامُنْ
قلام وحناجر واقفي
يا شمس قومي طلعي
وعالبال خليهُن...
يا ريت عنا بنت صوتا حلو
ترشّلُن شروقي وحِدا.. قدامن
ويمشو تحت صورة علي
وتحت الأسامي الحاملي هم الشعب
والشعب ناسيهُن...
هونيك بالوادي، ولد مرة كتب إسمو
ومشي...
برات صالون الشرف
برات صالون السياسي الدارجي
برات مشروع السلام العالمي
برات دعسات النظام العالمي
يونس مَرق...
يونس كتب عالشمس وعدَك يا وطن
بالدراج، ولما غفي
قلاّ: دخيلك يا شمس نحنا
وجعنا عالمي،
قالوا: الصبي بكير بلَّش بالصلا
ومش عارف "القبلي"
ومشي مع بنت كاتب عا قــّميصو إسمها
بس الصلا بتساع يونس والبـِنـِتْ
بتساع كل الناس،
وما في حدا عندو وكالي عا الصَّلا
والشمس والقبلي...
ويونس صلاتو صح..
هالقبلي مشاع
ومثل السما بيظلّن بوابا وساع...
... يا بو حسن قالولنا بالصيف
مت من الزعل...
خدك على الأرض، ونمت مقهور
عا غمر القمح
معقول حُبّك موَّتَك حد الغمر
معقول حزنك غمَّق كتير الجرح،
حلوي حدا لو مات من كتر الزعل
عا اللي بحياتو حبُّن،
ومن بعدهن ما يقدر يكـّفي العمر...
... يا بو حسن، قالولنا في ناس منا كتار
بيموتو على غمر القمح...!
محمد حسون (أبوحسن) البابلية.




يا أرض لاقيهن

(قصيدة معبَّرة بمضمراتها ألقيت في بلدة البابلية الجنوبية في تأبين الشهيد يونس رضا، الذي استعيدت رفاته، مع رفات 22 مقاتلاً من رفاقه إثر اكتشاف مقبرة جماعية في بنت جبيل، بعد التحرير في العام 2000 وكانوا قد استشهدوا أثناء مقاومتهم للإجتياح الاسرائيلي عام 1978).
يا ريت في عنا بنت صوتا حلو
ونْـلبْسوا أشعارنا
يلْبقلُن ويحمل أساميهن
ونقول يلا طلـّعو هالموت ملح الأرض
يا أرض لاقيهن...
نغنيلهُن من صوب بنت جبيل
طلوا عظامُنْ
قلام وحناجر واقفي
يا شمس قومي طلعي
وعالبال خليهُن...
يا ريت عنا بنت صوتا حلو
ترشّلُن شروقي وحِدا.. قدامن
ويمشو تحت صورة علي
وتحت الأسامي الحاملي هم الشعب
والشعب ناسيهُن...
هونيك بالوادي، ولد مرة كتب إسمو
ومشي...
برات صالون الشرف
برات صالون السياسي الدارجي
برات مشروع السلام العالمي
برات دعسات النظام العالمي
يونس مَرق...
يونس كتب عالشمس وعدَك يا وطن
بالدراج، ولما غفي
قلاّ: دخيلك يا شمس نحنا
وجعنا عالمي،
قالوا: الصبي بكير بلَّش بالصلا
ومش عارف "القبلي"
ومشي مع بنت كاتب عا قــّميصو إسمها
بس الصلا بتساع يونس والبـِنـِتْ
بتساع كل الناس،
وما في حدا عندو وكالي عا الصَّلا
والشمس والقبلي...
ويونس صلاتو صح..
هالقبلي مشاع
ومثل السما بيظلّن بوابا وساع...
... يا بو حسن قالولنا بالصيف
مت من الزعل...
خدك على الأرض، ونمت مقهور
عا غمر القمح
معقول حُبّك موَّتَك حد الغمر
معقول حزنك غمَّق كتير الجرح،
حلوي حدا لو مات من كتر الزعل
عا اللي بحياتو حبُّن،
ومن بعدهن ما يقدر يكـّفي العمر...
... يا بو حسن، قالولنا في ناس منا كتار
بيموتو على غمر القمح...!
محمد حسون (أبوحسن) البابلية.







يا أرض لاقيهن

(قصيدة معبَّرة بمضمراتها ألقيت في بلدة البابلية الجنوبية في تأبين الشهيد يونس رضا، الذي استعيدت رفاته، مع رفات 22 مقاتلاً من رفاقه إثر اكتشاف مقبرة جماعية في بنت جبيل، بعد التحرير في العام 2000 وكانوا قد استشهدوا أثناء مقاومتهم للإجتياح الاسرائيلي عام 1978).
يا ريت في عنا بنت صوتا حلو
ونْـلبْسوا أشعارنا
يلْبقلُن ويحمل أساميهن
ونقول يلا طلـّعو هالموت ملح الأرض
يا أرض لاقيهن...
نغنيلهُن من صوب بنت جبيل
طلوا عظامُنْ
قلام وحناجر واقفي
يا شمس قومي طلعي
وعالبال خليهُن...
يا ريت عنا بنت صوتا حلو
ترشّلُن شروقي وحِدا.. قدامن
ويمشو تحت صورة علي
وتحت الأسامي الحاملي هم الشعب
والشعب ناسيهُن...
هونيك بالوادي، ولد مرة كتب إسمو
ومشي...
برات صالون الشرف
برات صالون السياسي الدارجي
برات مشروع السلام العالمي
برات دعسات النظام العالمي
يونس مَرق...
يونس كتب عالشمس وعدَك يا وطن
بالدراج، ولما غفي
قلاّ: دخيلك يا شمس نحنا
وجعنا عالمي،
قالوا: الصبي بكير بلَّش بالصلا
ومش عارف "القبلي"
ومشي مع بنت كاتب عا قــّميصو إسمها
بس الصلا بتساع يونس والبـِنـِتْ
بتساع كل الناس،
وما في حدا عندو وكالي عا الصَّلا
والشمس والقبلي...
ويونس صلاتو صح..
هالقبلي مشاع
ومثل السما بيظلّن بوابا وساع...
... يا بو حسن قالولنا بالصيف
مت من الزعل...
خدك على الأرض، ونمت مقهور
عا غمر القمح
معقول حُبّك موَّتَك حد الغمر
معقول حزنك غمَّق كتير الجرح،
حلوي حدا لو مات من كتر الزعل
عا اللي بحياتو حبُّن،
ومن بعدهن ما يقدر يكـّفي العمر...
... يا بو حسن، قالولنا في ناس منا كتار
بيموتو على غمر القمح...!
محمد حسون (أبوحسن) البابلية.







كي لا ننسى


كي لا ننسى

الذكرى ألـ 60 لمجزرة حولا

تاريخ الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان، من تاريخ نشوء الكيان الاسرائيلي فوق أرض فلسطين، والمجازر التي ارتكبها هذا العدو منذ العام 1948 وحتى اليوم طالت عشرات القرى والمدن والمخيمات في كافة المناطق اللبنانية، وذهب ضحيتها آلاف المواطنين بين قتيل وجريح.
ففي 30/10/1948، استفاق أهالي بلدة حولا الجنوبية على عصابات "الهاغاناه" الصهيونية تطوق البلدة، وظنوها للوهلة الأولى، فرقة من "جيش الإنقاذ" العربي (الذي تشكل حينذاك لتحرير فلسطين) لكن سرعان ما بانت حقيقة القوة المهاجمة التي اقتحمت البلدة، وهاجمت الأهالي العزل من أي سلاح، واعتقلت 93 شاباً، جمعتهم في منزلين، وعمدت إلى إطلاق النار عليهم. ثم أقدمت على نسف المنزلين فوق رؤوسهم لتتأكد من قتلهم جميعاً. وبالفعل لم ينج منهم سوى مواطن واحد، نجا بإعجوبة من تحت الركام واستطاع الإفلات ليلاً والخروج من البلدة ليشرح بعدها تفاصيل المجزرة، هذا في حين غادر من بقي حياً من سكان البلدة، عبر الأودية والحقول، إلى القرى المجاورة، ثم انتقلوا إلى مخيم ضبية، حيث عاشوا في ظروف سيئة للغاية. بعد ستة أشهر من التشرد عادوا إلى بلدتهم المدمرة، وكان أول عمل قاموا به هو جمع رفات الشهداء ودفنها في مقبرة واحدة سموها "مقبرة الشهداء" لتبقى شاهداً على وحشية الصهاينة وهمجيتهم. يتناقل الأهالي أخبار وتفاصيل المجزرة جيلاً بعد جيل، بالإضافة إلى الدرس الذي تعلّموه أنه في مواجهة عدو كالعدو الاسرائيلي لا يحميهم إلا سلاحهم. لذا كان أبناء حولا في مقدمة من حمل السلاح في الجنوب وامتشقوه باكراً دفاعاً عن أرضهم وأنفسهم، في ظل تخلي الدولة عن حمايتهم، قاوموا الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة وسقط العديد من الشهداء منهم في مواجهتها، مثلهم مثل أبناء القرى الجنوبية الحدودية. ولا تزال ذاكرة الجنوبيين تحفظ أسماء الشهداء الذين استشهدوا أثناء مقاومة الغزوات الاسرائيلية قبل العام1975، منهم علي أيوب من عيناتا، وعبد الأمير حلاوي من كفركلا، وآل شرف الدين (4 شهداء) ومحمود دقيق من الطيبة، ونمر ظاهر من حولا، والأخضر العربي من بنت جبيل، وابراهيم جابر من محيبيب..الخ.

تاريخ الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان من تاريخ نشوء الدولة الاسرائيلة فوق أرض فلسطين.

مفهوم اولي حول العلمنة

مفهوم أولي حول العلمنة في لبنان

في إطار نقاشه لسؤال العلمنة في لبنان والعناصر الرئيسية المكونة لنموذج علمنة لبنانية يمكن تحقيقها، وذلك إنطلاقاً من ظروف بلدنا الخاصة، إنتهى التجمع الديمقراطي العلماني إلى صياغة مفهوم أولي حول العلمنة في لبنان يحدد الرئيسي فيها والذي يميزها عن سائر نماذج العلمنة المتحققة في البلدان المتقدمة. ولقد أقر الاجتماع العام الأول للتجمع، في 1 حزيران 2008، هذا المفهوم. كما قرر أن يواصل النقاش الداخلي بهدف صياغة تعريف أكثر دقة للعلمنة الممكنة في لبنان. وفي حدود ما ناقشه التجمع حتى الآن يمكن القول:
إن الاساس في العلمنة في لبنان هي أن تكون نظام حياة آخر يفصل بين العام، وضمنه السياسة والدولة، وبين الطائفيات اللبنانية، ويفصل بين المواطنين والطائفية في كافة الشؤون الزمنية والحياتية المشتركة بين جميع المواطنين، بحيث تنحصر علاقة المواطن بطائفته في الإطار الروحي والديني الصرف.
وإذ نتطلع إلى علمانية لبنانية تحترم حرية كل فرد وجماعة في التعبير عن المعتقد الذي تؤمن به والدعوة له، وممارسة الشعائر المتعلقة به، وذلك ضمن إطار الحفاظ على النظام العام، نرى بأن التطور الديمقراطي العلماني هو الحل الصعب والوحيد الممكن لأزمة لبنان: الكيان، المجتمعات الأهلية الطوائفية، النظام الطائفي اللبناني، الهوية؛ وهي الأزمة المستمرة منذ أن تأسس النظام الطائفي في العام 1843 (القائمقامتين الدرزية والمسيحية). وهو حل يقوم على بناء الفرد مواطناً حراً واللبنانيين شعباً موحداً ومندمجاً في إطار مواطنية تساوي بين جميع اللبنانيين.

الوثيقة التاسيسية

وثيقة
الورقة التأسيسية لجمعية
"التجمع الديمقراطي العلماني في لبنان"

عقد "التجمع الديموقراطي العلماني في لبنان" اجتماعه العام الأول في حزيران 2008، ولقد أقر فيه ورقة تأسيسية تعرف بالتجمع وأهدافه. في هذا العدد سنقدم المقطع الأول من الورقة التأسيسية.

من نحن؟
مواطنون جمعهم القلق عما آل إليه الوطن، فتنادوا إلى طرح الأسئلة عن المخارج.
نعلن تعلقنا بكل إنجاز مجيد قطعه الشعب اللبناني على طريق وحدته الشاقة والعسيرة، من ثقافته وأغنياته وأمثاله وعاداته، إلى علمه ونشيده وعُملته، وإرتقاءً إلى ضراوته في دحر العدو وشجاعته في كسر أطواق الوصاية. ونسعى لأن تكرَّس تلك الإنجازات إرثاً مشتركاً صلباً يملكه الجميع، لا نُتفاً تتوزعها الجماعات وتتوسل صرفها في أسواق الغلبة والمحاصصة.
مواطنون يحلمون بأن تكون بيوتهم مستقرات آمنة تصدِّر الإبداعات والطاقات، لا جدران مؤقتة تقيهم شرور الحروب الأهلية المتناسلة.
ويطمحون لأن ترتفع رايات دحر العدوان، مرةً واحدة إلى الأبد، فوق البيوت المزهوة، لا مرات ومرات على الأنقاض المحروقة.
نحلم بوطن تشكـّل عروبته أواصر انتماء رحب وجامع، تحترم الهويات الأخرى بصفتها مصدر غنى وترعى خصوصياتها.. وطن له من الإنجازات في حمل القضية العادلة للعرب ما يقيه خطر الإرتداد إلى مجرد ساحة مكشوفة الأهداف والمرامي.
وطن تحميه قواه المسلحة النظامية فتسيّج حدوده وتمنع الانتهاك عن أجوائه والمياه، عبر خطة تستلهم تجربة الشعب ومقاومته، وتستنير بسياسة دفاعية تحدّد العدو وتشكّـل ناظماً معيارياً لتعريف الأصدقاء.
نريده وطناً محصناً بتسوية داخلية واقعية حول الإنقطاعات الممكنة والتقاطعات الضرورية مع المحيط، بحيث لا تشي الإنقطاعات بإقفال متسرع ولا تغري التقاطعات بفتح ٍ غير محسوب. تسوية تدرأ عنه تجرع إملاءات البعيد ثمناً لرفع وصاية القريب، وتخرجه من دوامة المفاضلة بين مُقبـِل الوصايات ومُدبرها، وطن يربأ أن يتوسل فظاظة العدو رفعاً لمضاضة الشقيق.
مجموعة تدرك أن كل كيان تحكمه جدلية الصراع بين عوامل الخلل من جهة وعوامل الوحدة والتماسك من جهة ثانية، وبالتالي تجد نفسها معنية في إيجاد عوامل إضافية لهذه الوحدة اللبنانية القلقة، وفي بناء مصدر حسّي سياسي- اجتماعي، مصدر شرعية اجتماعية، لدولة ذات نصاب وطني قادر على الحكم.

الحل الطائفي المستحيل
لا نزعم نفاذ بصيرة لدينا في لحظ ما بات ماثلاً للعيان، وخلاصته أن الحل الطائفي مستحيل للبنان، إذ أن مجمل الحروب العبثية والجراحات الطائفية، وكافة أكلاف الفرز الديمغرافي، وكل ضروب تدمير الاقتصاد وتفكيك أواليات الاجتماع السياسي. لم تفض ِ جميعها لاهتداء المتنازعين إلى مكاييل دقيقة تقاس بموجبها حصص الطوائف وأنصبتها وأدوارها. وعلى الدوام كان يُفاقم في الأمر تبدلان: أحجام الطوائف ووضعيات الخارج الداعم لهذه الطائفة أو المناوئ لتلك. تبعاً لذلك، ودائماً على إيقاع انقسامات مفتوحة على أخطر الاحتمالات، فإن تركيب السلطة في الداخل وعلاقات لبنان مع المحيط الخارجي ظلا دوماً محطّ إعادة نظر.
والحال، فإن كسر تلك الحلقة الممّلة، والعبور بلبنان من تبادلية ممارسة الهيمنة ثم تلقي الغبن، التي مارستها كل طوائفه، تقتضي البحث عن حلول من خارج دائرة الأجوبة الطائفية المتناسلة من أكثر من قرن ٍ ونصف، والتي ذقنا مآسيها وسحنتنا أهوالها، حلول في كيفية دمج الأفراد في مجتمع مدني تعددي يُغلب الانتماء للوطن على كل ما عداه.
وفي هذا الجانب، لا يغيب عنا الاعتراف بأن لبنان سيبقى إلى أجل دولة طائفية أو دولة شكلتها الطوائف، فهل من سبيل للوصول إلى تسوية انتقالية تجمع بين حقوق الطوائف وحقوق الأفراد (وفي مقدمة هذه الحقوق، الحق في الخروج عن الطوائف). سيما وان التجارب علمتنا أن هذه تساعد تلك، إذ أن لبنان الذي شهد سلسلة من الاختلالات والتوازنات كانت أموره المشتركة تنتعش أوقات التوازن وتختنق إبان الاختلال.
إذا كانت التسوية تساعد في البحث عن المشترك، وعلى فتح قنوات لمراكمة عوامل وحدة مجتمعية، فمن شأن أي اختلال أن يطيح بمعظم تلك العوامل، هذا جلّ ما تمخض عن حلول الطوائف: خطوة إلى الأمام تعقبها أخرى إلى الوراء. مراوحة تصبح أكثر مرارة متى لحظنا أن الأكلاف الناجمة عن المواجهات تستنزف الوطن (المشترك) وتكرس الطوائف (الخاص) قنوات لتأمين الحماية عند الاهتزاز، وممرات لتبادل المنافع وقت الاستقرار، وبالتالي يصبح للخسارة التي تطال الوطن وتستنزفه وجهاً آخر: وجه الربح للطوائف. ربح يأكل من جسد الوطن مرتين (كأسنان المنشار)، مرة عند توزيع المغانم ومرة وقت التقاط التذمرات، ومنسوب "الربح" الطائفي هذا يكاد يتساوى في مرحلتي السلطة والمعارضة.
اتُراه مسار بلا قاع؟.

نحو تسوية مبنية على الواقع المعاش
وحيال عبثية المعادلة الممسكة بلبنان. هل تنتج الطوائف تسوية ناجمة عن حوار حاجات، تتخلى بموجبه كل طائفة عن تغليف توقها الدائم إلى الهيمنة والتسلط والغلبة بشعارات المشاركة وبناء الدولة؟
ألا نملك الجهر بحل بديل: حياد الدولة تجاه الطوائف والأديان، وجعل العالـَم مصدراً للحقيقة وأساساً للسلطة؟ العالم بما هو "المعيوش" أو المشترك، الذي يُعنى بشؤون الناس وحرياتهم وضمان تعليمهم وفرص عملهم وترقيتهم، ويحث الأفراد على تدبير شؤونهم ويُحفّـز طاقاتهم على إنتاج المبادرات.
حل يجنبنا الوقوع في تلك اللعبة الخادعة التي توزع الاختصاصات والقضايا على الطوائف، وسط عملية يشوبها هدر مزدوج: التضحية بموارد الأغيار وشراء ولاءات الأنصار. وهذه العملية شملت كل شيء، من مقاومة الاحتلال ورفض الوصاية، إلى تعريف علاقة لبنان بمحيطه، وصولاً إلى مسألة بناء الدولة. والحال، فإن طائفة- أو أكثر- لا تبني وطناً ولا تدحر عدواناً ، بل تبقى القضايا لديها أمراً عابراً، فيما الثابت عندها هو الرغبة الدائمة في شراء الولاءات بإغراء التسلط والهيمنة.

والحل المستند إلى العالـَم هل يمكن تسميته بغير العلمانية؟
بيت القصيد إذن البحث في ظروف وإمكانات الحل المستند إلى الشؤون المعاشة والمشتركة (مع احترام الشؤون الخاصة والجهر بطلب تنحيتها)، عبر النقاش المسؤول الذي يقف أصحابه على مسافة صارمة وحقيقية من مختلف الطوائف، الحل الذي يتوخى إلباس العلمانية حُلـّة، ونقلها من المفهوم المجرد إلى عالم الأفكار الملموسة، والعمل على توسيع دائرة المتفاعلين مع هذه الأفكار بدلاً من إبقاء العلمانية طلسماً أو إحلالها مُطلقاً مكان مطلقات "تراجعت". خصوصاً أن من ميزات "العلمنة" أنها تحثُ حَملتها على إكسابها معنى، وذلك لأنها لم تُقدّم كنموذج صالح لكل زمان ومكان، مثلما جاءت بلا ترسيمات وحتميات بل رجح في تطبيقها سبل التسويات الظرفية المتعاقبة المتأتية عن التعاقد الواعي للأفراد على إنجازها.
دائرة البحث هذه، تودي إلى رفض تخصصية الطوائف وليس التنكر للقضايا المصادرة من قبلها، وإلى نقاش القضايا بصفتها شأناً مشتركاً وإماطة اللثام عما يشوب حَمل القضايا (المشتركة)، والذي يكاد يلازمه سمة دائمة: تنسيب الإنجاز للطائفة والحرص على ضبط الطائفة الأخرى متلبسة بالسعي لإطاحته. وتلك الدائرة تقتضي ورشات ضخمة ولا يمكن اختزالها بتعميمات من هنا أو انحياز ٍ غير مدقّق من هناك.
وهنا يتساوى في عدم الدقة، المدح الذي يغدق على طائفة أو الهجاء الذي يكال لأخرى، فلا طوائف "وطنية" أو "فاجرة" أو "معتدلة"، والصفة الوحيدة التي تستحقها أي طائفة هي اسمها. وعليه، فإن "النسق" المتشكـّل من طوائف لبنان مسؤول برمته عن عسر استيعاب بعض أو مختلف أجزائه.
والحال، لسنا أمام لائحة خيارات لا تنتهي، بل حيال تكتلين طائفيين تضافرا على إيصال البلد إلى هذا الانسداد في الحلول، كلٌ منهما يرى الصواب عنده والباطل كله في المقلب الآخر. وكل ثناء يزيد في تعنتهما ويؤخر أمد التسوية المأمولة.

الطوائف والقضايا: وجه آخر للدعم
وفي قراءة لمفاعيل المأزق اللبناني الراهن المتوالية فصوله منذ العام 2005، يبدو تبلور الطوائف جلياً كنتيجة طبيعية وذات مقدمات، بدأت تتكون ملامحها منذ منتصف السبعينات، إثر اصطدام محاولة إصلاح النظام الطائفي بجدار الاستحالة، بحيث أصبح لكل طائفة كيانها الخاص وميليشياتها، الكامنة أو الظاهرة، واقتصادها الذي يحوّل الأتباع إلى متسولين بدل خلق مبادرات تعزّز الفرص أمامهم، وأضحى لكل طائفة أمير هو بمثابة "شاعرها" والناطق باسمها وأقوى أقويائها وأكثرهم نزقاً، وأضحت كل طائفة ساهرة لا يغمض لها جفن وهي تراقب أندادها وتقيس أنصبتهم من السلطة، ثم باتت قنوات الاستنفار الطائفي موصولة بخطوط بالغة التشابك والتعقيد، ومفتقدة لأي مرونة، ما سهل الاستنتاج بأن استنفار أي طائفة هو استنفار لكل الطوائف.
تبلور الطوائف الذي سبق أن تضافر، مع ديناميات ذات طبيعة وطنية، على ترويض بعض الطروحات الموغلة في جذريتها ورومانسيتها (طرح تحويل لبنان ميدان حرب شعبية لتحرير فلسطين، ثم فكرة الوطن القومي المسيحي ومشروع الدولة الإسلامية بنسختيه)، إنتقل إلى استيعاب وتليين معظم القوى الاجتماعية المنادية بهذه الطروحات، ليفرز في نهاية المطاف ظاهرة تطييف شملت كل شيء. ما اسقط الرهان على أي إمكانية لإصلاح النظام الطائفي عبر قوى ذات هوية- أو هوى- طائفية، وظهر جلياً إن الطوائف تفقه لغة واحدة: المحاصصة. وبالتالي، فإن الدعم الذي توفره كتلة طائفية ما لأي قضية يشكـّل سلاحاً ذا حدّين ويكاد يتساوى معه مردودا الربح والخسارة.
وعليه، فإن محاولات الإصلاح التي حملت تناقضها بسبب التباساتها الطائفية، أي بسبب جدلية التأثير غير المتناسب بين خطاب التغيير وطبيعة البنى الحاملة له ( تأثير محدود للخطاب وتأثير طاغ ٍ للبنية)، تلك المحاولات (الملتبسة) كانت بمثابة باكورة التباسات متتالية ومتعاقبة لازمت مختلف محطات النضال اللبناني الحديث ولامست القدرة على إجهاضها، إلتباسات شملت حركة 14 آذار وانتصار تموز 2006 ومواكب التشييع المطالبة بالعدالة والحقيقة. ففي كل مرة كان رصّ الصفوف من هنا يثير ريبة الجموع هناك، لكأن الشحن الطائفي مربوط بأوان ٍ مستطرقة وخاضع لأحكامها. وكأن الطوائف تقتبس قول الشاعر:

إذا شُقّ بُردٌ، شُقّ بُرداك مثله دواليك، حتى ما لذا الثوب لابـِسُ
فهل يصح القول بأنه لا بد للبنان (بقضاياه الأساسية) أن يكون لجميع طوائفه كممر ضروري ليصبح لاحقاً لجميع أبنائه. وبالتالي تصبح كل قضية مطعون في نجاعة حملها ما لم تستند إلى شبكة أمان وطنية عاملة، فلا تترك لطوائف مهمة حماية الحدود ولا يوكل لأخرى أن تلتزم بنيان الدولة..الخ.

يتبع (الجزء الثاني في العدد القادم)

مشروع ورقة تأسيسية

البند الأول:
أولاً: مشروع ورقة تأسيسية للجمعية المسماة
"التجمع الديمقراطي العلماني في لبنان"

الخارج والداخل: جدلية العلاقة
كل استقلال ٍ يكون نسبياً، هذه حقيقة تشمل حتى الكيانات العريقة في استقلالها. بما يُبقي كل كيان عرضة لتأثيرات تفده من خارج ما، كبرت هذه التأثيرات أو صغرت.
السِمة الخاصة للبنان هي إن العوامل المقرِّرة لنشأته، ثم استقلاله، والتي تمخضت عن رغبتين: داخلية وخارجية، لا تزال تملك ذات الفاعلية ما يمكـّنها من القدرة على إعادة النظر في "قرار" النشأة، ومن ملامسة مسألتي الوحدة والسيادة. وتبعاً لذلك ظلّ الخارج حاضراً يتلقف دعوات "داخل ٍ ما" للاستنصار و"ناضراً" يتدخل في تشكيل اتجاهات الدواخل كلها، ومع كل وافد كانت طوائف تفتح ذراعيها مرحبة وأخرى ترفع قبضاتها متوعدة، وحيال كل آفل كانت تلوح أياد مودعة وتنتصب أخرى في حركة تشفٍ ماكر.
والحال لم ينجز اللبنانيون، على امتداد العقود التي أعقبت نشأة كيانهم، ما يحسم بشكل قاطع موضوع استقلالهم كوطن. يتساوى في تبيان ذلك طروحات إنكار شرعية الكيان اللبناني "واعتباره نتاج التجزئة الكيانية الاستعمارية" وصولاً إلى اعتباره جزءاً من مدى أشمل، مع طروحات الفيدرالية و"تفصيل" لبنان على مقاس طوائفه. وبذلك لازم الاستقلال الوطني نظريتان- مقتلان: واحدة ترسم للبلد أعباء لا طاقة له على حملها وأخرى تتوهم له نأياً غير واقعي عن المحيط، ولكلٍ من النظرتين خارج يقبل ويدعم، وآخر يرفض ويواجه.
الغائب إذن، تسوية تنتقل من الحسم في الاستقلال الوطني إلى تعريف علاقات لبنان بمحيطه، تسوية موضوعية تأخذ بحقائق التاريخ وتفتح قنوات التنفس من الرئة العربية الأشمل. ولا يمكن لهكذا تسوية أن تؤسس على مقرر ٍ أوحد: العداء لإسرائيل والتغاضي عن تدخلات "الأقربين"، يُقابله العداء لسوريا واللعثمة حيال إسرائيل... تسوية تراعي هواجس ومخاوف المجموعات وتحيلها إلى حاجات عامة، ثم تقيم موازنة بين الموجبات القومية العامة وقدرة البلد على الحَمل، والموازنة بين أكلاف الحَمل وأهدافه.
وتسوية كهذه لا تحتمل الاستسهال والشطحات، ولا مجال معها لقلب الأولويات، تنطلق من أن الاحتلال وليس سلاح المقاومة هو العبء، ما يُغلـّب أهمية سياسة دفاعية تردع الاعتداءات الإسرائيلية المتوالية منذ نشأة الكيان العدو، وتحول دون بقاء لبنان ساحة ملتهبة يخوض نيابة عن آخرين ما يحفظ بصيص اعتراضهم الخامد.
ووحدها هذه التسوية الوطنية تعيد تعريف الأصدقاء، وتتطلب احتضانا دولياً لصونها ورعايتها، بدلاً من موجات الدعم الخارجي المقنن والموّزع على الطوائف.. وهذه التسوية تفتح الباب أمام الجميع ليدلوا بدلوهم في رفض السيطرة الخارجية، المستندة ابداً إلى رغبة وقابلية بنى الداخل، وقي إعادة الاعتبار للحداثة والديمقراطية كشرطين لا غنى عنهما في هذه المواجهة، وكنموذج ٍ يمكن تعميمه لمواجهة الاستبداد، بديلاً لدعوات الغزو الخارجي.
على هذه الأرض يقف "التجمع الديمقراطي العلماني في لبنان"، فيدرك كم هي ملحـّة حاجة اللبنانيين إلى تسوية تدرأ التفكك عن وحدتهم الهشة، القابعة وسط بحر متلاطم من الأزمات يكاد يطيح بكيانات أكثر تماسكاً وأشد بنياناً. وبذلك يعيد التجمع الاعتبار إلى الدور المحوري الذي تلعبه العوامل الداخلية في الأزمة، رافضاً أن يصنّف نصف اللبنانيين عملاء لهذ الخارج ونصفهم الآخر عملاء لذاك..
تسوية تكفل الانتقال بلبنان من ساحة إلى وطن، وتبقى كلفة التنازلات المؤدية إليها أقل بما لا يقاس من كلفة الانهيار العام.

ميادين مدنية
على خطٍ موازٍ، وفي الإنتقال من الكليات إلى الجزئيات، يُعنى التجمع بتكوين وتعميم ثقافة تهدف إلى تثبيت العلمنة كفكرة مقابل التراث الخصب لخصومها، ويسعى للإضاءة على الميادين المدنية الممكنة لعملٍ ديمقراطي علماني. تنطلق من الإيمان بقدرة الإنسان على تدبر أموره دون وصاية من أحد، وعلى أهليته للانخراط في تطوير وتنظيم الحياة المشتركة مع الآخرين. وبهذا يصبح للعلمنة مفهوماً أشمل، التطلع إلى مكانة الإنسان وإلى عيشه بكرامة وحرية، ضمن منظومة تسّن فيها القوانين للأفراد وليس للطوائف، وتبنى على الحقوق الأساسية للفرد، بدءاً من حقه في السكن والتنقل والتعلم والمساءلة والمحاسبة والعمل والبيئة السليمة، وصولاً إلى حقوقه في نيل الحماية عبر دولة اجتماعية تضمن للناس مستوى لائق من الحياة المادية في حالات البطالة والإعاقة والمرض والشيخوخة، دولة التكافل الاجتماعي المتناسب مع القدرات الواقعية للأفراد والشرائح. ويرفض هذا المفهوم الحدّ من حرية الإنسان، وينشد إخراجه من شرنقة الحقول الإدراكية الضيقة لجماعاته الأولية، التي تمارس أشكالاً من العنف بالمباشر أو الرمزي، ويأمل تجاوزها إلى فضاءات رحبة تزيد من رفاهية البشر وسعادة الإنسان.. فضاءات ديمقراطية تؤسس لتنمية بشرية مستدامة من شأنها تمكين الأفراد من الاضطلاع بأدوراهم في مجتمع منتج.

البنية التنظيمية:
انطلاقاً مما سبق، يصبح التجمع ملتقى افراد متوافقين على أن الحل الديمقراطي العلماني يمكن أن يشكّل سبيلاً لخلاص لبنان، وبذلك يشكل التجمع منبراً حراً لنقاش وإغناء الأفكار المتمحورة حول هذا الحل. ويكون فيه لجميع الآراء ذات الفرصة والمساحة. ولا يشكل إطاراً حزبياً ضيقاً، إذ يمكن ان يشكل ملتقى لمستقلين أو أعضاء في أحزاب، ويحرص التجمع على حثِّ الجميع على التعبير وعلى الاشتراك في النقاش.

الوسائل والأهداف:
لا يُمثل التجمع أي أفراد أو شرائح، حدوده هي الطاقات التي يحملها الأفراد المنضوين فيه. وبذلك يتوافق أعضاؤه على قصر نشاطهم على نقاش ونشر الأفكارحول ظروف وإمكانات الحل العلماني الديمقراطي في لبنان، وذلك عبر ما يلي:
1) الانطلاق من بديهية أن ما أنجزه التجمع من أوراق (قاربت العشرين) لا يزعم الفصل فيما تطرق إليه. وبالتالي ليس لدى التجمع ثوابت، سوى خيار الإنحياز إلى مجتمع أكثر عدالة وأكثر إنسانية.
2) نشر وتعميم الثقافة الديمقراطية العلمانية، والإفادة من الإبداعات التي أفرزتها العلوم الإنسانية على هذا الصعيد.
3) في التمثيل السياسي
حيال الأزمة السياسية يدرك التجمع أهمية وثيقة الوفاق الوطني المعروفة بــ "اتفاق الطائف" وذلك لأن ذاكرة اللبنانيين لا تزال تدرك جيداً مدى الأهوال التي سبقت هذا الاتفاق، إذ بات من المعلوم أنه مع كل تعسر في المحطات التي أفضت إليه، كانت جولات العنف الدامي تحضر توكيداً لـ "ثوابت" هذا الطرف أو دحضاً لطروحات ذاك. وبالتالي فإن هذا الاتفاق، الذي يشكـّل إطاراً مرجعياً، يزيد من اهميته العسر الشديد الملازم لولادته.
وفي هذا الجانب يؤكد التجمع على تطبيق اتفاق الطائف لجهة تمثيل اللبنانيين عبر إنشاء مجلس نيابي غير طائفي يتم انتخابه على أساس المحافظة كدائرة انتخابية، ويرى أن تكون المواطنة والنسبية قاعدتين أساسيتين في هذا الانتخاب هذا من جهة، وعبر إنشاء مجلس شيوخ يتمثل فيه اللبنانيون وفقاً لمناطقهم وطوائفهم وعلى أساس الدائرة الفردية من جهة ثانية.
انتخاب رئيس الجمهورية عبر الاقتراع الشعبي المباشر.
تنظيم الانتخابات وفقاً لمعايير عصرية بما يوسع الفرص أمام الجميع وذلك عبر إلغاء الضمانة المالية وتنظيم الإعلام والدعاية وتخفيض سن الاقتراع.
4) على صعيد القضاء: إلغاء وصاية السلطة السياسية وحصر صلاحية وزير الوصاية، وانتخاب السلطة القضائية بالاقتراع السري المباشر وجعل هذه السلطة المرجع الوحيد لتنظيم وإدارة عمل القضاء والإشراف على تطبيق وتنظيم الأحكام وحفظ الحقوق الإنسانية للمساجين وإدارة معهد القضاة.
5) وضع قانون اختياري للأحوال الشخصية وللزواج المدني.
6) إصلاح الإدارة عبر إلغاء طائفية الوظيفة وتفعيل الهيئات الرقابية واعتماد أسس الكفاءة والتراهة، وكفّ يد السياسيين وإقرار حرية العمل النقابي في القطاع العام.
في الوسائل:
· توعية الفرد على المواطنة وعلى التواصل مع الآخر واحترام معتقده والدفاع عن حرياته الأساسية.
· نقاش الآراء التي يمكن أن تشكّل إسهاماً فعلياً في الإضاءة على الأهداف التي يصبو إليها التجمع، واستضافة أكاديميين وباحثين وفاعلين اجتماعيين من أصحاب الباع في هذا الجانب.
· تعزيز ثقافة الحوار واعتماد الوسائل غير العنفية لإدارة النزاعات.
· العمل على كشف الجوانب الثقافية والتراثية التي تحثّ على قيم السلم والتواصل.
· قيام نشاطات حقلية وميدانية بهدف تبسيط وتعميم ثقافة الحوار وحق الإختلاف، ونقلها بما يتناسب مع مختلف الفئات العمرية والمستويات العلمية.

خاتمة:
المحاولة تنطوي على بعض التجريب، لكنها ليست عمل هواة ولا طلاب مواقع، هي محاولة تقتضي أعلى درجات التواضع وقبول مشاق الحفر بإبرة، بحثاً عن بصيص نور في هذا السد المنتصب حاجزاً دون تطورلبنان ووضعه على سكه الحداثة والعصر. وهي عمل قاعدي حقيقي حسم أصحابه في تكريس الديمقراطية ناظماً لتواصلهم كشرط ضروري لنيلهم حق المناداة بها حلاً لمجتمعاتهم.
هي مهمة شاقة لكنها تستحق العناء كونها تدور على الميادين الصحيحة، فيما لن تبقي عملية صوغ مبررات الالتحاق الدائم بالطوائف، لأصحابها سوى الزعم والادعاء، وتحيلهم ديكورات تبرزها الطوائف لإخفاء زيفها وحقيقة أهدافها.
محاولةٌ يزيد من وجاهتها حقيقة أن خانة الديمقراطيين العلمانيين شاغرة، إذ لم يشهد لبنان محاولات جدية لتأسيس حركة علمانية مستقلة، وظلت العلمنة ملحقاً ثانوياً معتبرا بمثابة تحصيل الحاصل في برامج تغيير سرعان ما تبين أنها تقفز فوق الواقع.

جاء في بيان حكومة الاستقلال الأولى بأن الساعة التي يمكن فيها إلغاء الطائفية "هي ساعة يقظة وطنية مباركة في تاريخ لبنان وسنسعى لكي تكون هذه الساعة قريبة بإذن الله".
هل كان في الأمر تبسيط؟ أم أن ما بدا ممكناً في أربعينات القرن الماضي صار عزيز المنال في وقتنا الحالي؟ بأية حال، وعلى رغم التعسر، نمنن النفس بما شهده الوطن من فترات تواصل، وندرك أن الاختلال، الذي يتغذى من قابليات بنى موروثة ومتأصلة ومتجذرة، يحتاج عند كل عتبة انفجار إلى جهدٍ مضنٍ، غير مشكور، من التحضير وإعداد القوى. فكيف بالمسألة النقيض، مسألة تجاوز هذا العسر إلى اندماج اللبنانيين في مجتمعٍ مدني عصري ٍ متعدد، أليست مرهونة بإيجاد القوى التي ستتولى خلق وابتداع الديناميات البديلة؟.

قراءة في حدث 7ايار

قراءة في حدث 7 أيار

يبدو أن حدث السابع من أيار 2008 سجل نهاية طور من الصراعات الطائفية في لبنان، بدأ مع انهيار التحالف الرباعي بين حزب الله وحركة أمل من جهة وتيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي من جهة أخرى.
في هذا الطور المنصرم حرص كل فريق على أن لا يكون البادئ في تصعيد المواجهة وصولاً إلى الاقتتال المسلح، مما افسح المجال للصراع الطائفي أن يراوح طوال اشهر في الحلقة نفسها. فكل فريق تمسك بخطابه وبأهدافه ولم يقدم أي تنازلات تمكن من عقد تسوية طائفية جديدة. وكل منهما أمل بأن تأتي التطورات الاقليمية والداخلية في صالحه. وعجز الفريقان عن انتاج نسخة جديدة من النظام الطائفي اللبناني بعد سقوط نسخته السابقة مع خروج الجيش السوري من لبنان.
فريق 14 آذار صامد في موقعه في السراي المحصنة وفريق 8 آذار ثابت في موقعه في خيم الاعتصام مقابل السراي الحكومي، فيما الجيش وقوى الأمن الداخلي تفصل بين الفريقين.
لكن هذا الواقع ما كان ليستمر طويلاً، خصوصاً أن الانتخابات النيابية عام 2009 باتت قريبة، ومصلحة كل فريق تقضي بأن يحسم الأمر بينهما لصالحه قبل مدة كافية من موعد الانتخابات النيابية القادمة. مما دفع الفريقان لاتخاذ منحى تصعيدياً في الخطاب السياسي، وسعى كل فريق لتغيير وقائع ميزان قوى الصراع الطائفي في لبنان، وهذا يتطلب استخدام القوة العسكرية.
قوى 8 آذار سربت بعضاً من خطتها المتدرجة من مدخل الاضراب "العمالي" إلى تصعيد المواجهة مع الحكومة من خلال الاعتصامات، العصيان المدني،...الخ.
من جهتها أعلنت الحكومة اللبنانية قراريها الشهيرين، والقرار الاهم يتعلق بشبكة الاتصالات لدى حزب الله، على الرغم من معرفة الجميع ان تنفيذ هذا القرار سيؤدي إلى صدام بين القوى العسكرية والامنية الرسمية وحزب الله، لكن رئيس الحكومة أصر على القرارين وعلى تنفيذهما مدعوماً من جميع قوى 14 آذار.
لقد بات واضحاً أن الطرفين في طريقهما إلى الدخول في مواجهة تحسم الامر بينهما. وتحولهما إلى فريقين احدهما رابح والآخر خاسر.
بعد صدور قرار الحكومة الذي نُظر إليه كأنه قرار اعلان حرب، لم يعد حزب الله بحاجة إلى مسار تدريجي لتصعيد المواجهة، فقد سلحه رئيس الحكومة بمبرر ينقل المواجهة فوراً إلى ذروتها الاعلى، إلى شكلها المسلح.
بعد خطاب السيد حسن نصرالله يوم 6 أيار، اندلعت المواجهة المسلحة والتي انتهت بسيطرة حزب الله وحركة أمل على بيروت، لكن قوى 8 آذار وضعت سقفاً لاهداف القتال، فهي لا تريد صداماً مع القوى العسكرية والامنية من ناحية وهي ليست بوارد الدخول إلى السراي من ناحية أخرى.
حددت قوى 8 آذار أهدافها بفرض تراجع الحكومة عن قراريها، واقرار 14 آذار بما تطالب به قوى 8 آذار حول حكومة "الوحدة الوطنية" والثلث الضامن، واقرار قانون الانتخابات المتفق عليه.
لذلك لم يكن ممكناً تجنب ما حصل في السابع من أيار، فكل المقدمات وتطورات الصراع بين الفريقين تؤدي إلى وصول البلد إلى الاقتتال المسلح. فعندما لا يقدم الفريقان تنازلات تمكن من عقد تسوية، ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي المتعلق باعادة توزيع الحصص النيابية (السلطوية بالتالي) فمن البديهي أن يعمل كل فريق على تعديل ميزان القوى لصالحه.
قوى 14 آذار تتوسل القوى العسكرية والأمنية الرسمية لتنفيذ قرار يضعف حزب الله والطائفية الشيعية و8 آذار تستعمل قوتها للسيطرة على بيروت.
وإن كل حديث عن أنه كان بامكان رئيس الحكومة ان لا يصدر القرارين، وان بأمكان 8 آذار ان لا تلجأ للقوة العسكرية هو حديث خارج سياق تطور وقائع الصراع بين الطرفين، ذلك أن الصراع بين الفريقين وصل إلى نقطة حسم معها كل فريق امره مسبقاً.
في السابع من أيار، كان الخاسر الأكبر مشروع الوطن والمواطن. فالانقسام السني- الشيعي تجذر أكثر، وما حصل سيبقى في الذاكرة سنيناً طويلة، وللمرة الأولى سجلت نقطة سوداء طالت مكانة السلاح المقاوم عندما استخدم في الصراع الداخلي.

حول الاستراتجية الدفاعية

حول الاستراتيجية الدفاعية
تعليقات خارج الموضوع

حتى الآن المشهد لا يدعو للتفاؤل، فتعليقات أطراف "الحوار" حول الاستراتيجية الدفاعية لا تزال تأتي في الغالب خارج الموضوع، على الرغم من أن رئيس الجمهورية حدد في خطابه، في 16 أيلول المنصرم، موضوعات النقاش بدقة. ومما قاله: أن اسرائيل هي "مصدر الخطر الابرز" على لبنان، وأن "في استطاعتنا وضع استراتيجية تحمي لبنان تستند إلى قواتنا المسلحة وتستفيد من طاقات المقاومة وقدراتها... ولندمج قدراتنا بجانب الدبلوماسية... فنحقق من خلال التحاور وحدتنا وتوافقنا".
أعلنت الزعامات الطائفية جميعها موافقتها على خطاب الرئيس، وامتدحه البعض، ليسود بعدها الصمت حيال موضوعاته. وتجدد خطاب فئوي يغمس خارج صحن موضوعاته. والحال لم نشهد أي تعليقات جدية للفرقاء حيال الاستراتيجية الدفاعية ودور القوات المسلحة في الدفاع عن البلد. وغاب الجميع: المنادون بـ "السلاح الشرعي" و"مشروع بناء الدولة"، وكذلك المنادون بـ "الدولة القوية القادرة". فهل يستقيم البحث في مسألة بناء الدولة دون الاتفاق على دور القوات المسلحة في استراتيجية الدفاع عن البلد؟
البحث في هذا الموضوع ليس بحثاً سهلاً. الاسئلة فيه تعود إلى الاعتداءات الاسرائيلية الأولى على لبنان وما زرعته فينا من حلم بوجود جيش لبناني يستطيع أن يكون صاحب الدور الرئيسي في الدفاع عن البلد. وهذا حلم بنقل الامانة من المقاومات جميعها، التي تولت سد الفراغ الحاصل في هذا الجانب منذ العام 1967 دون أن ينتقص من دورها ومكانتها. بل يشكل تحقيقه تتويجاً لنضالات وتضحيات جميع المقاومين وتكريماً لشهداء التصدى لاعتداءات اسرائيل ولضحايا العدوانية الصهيونية ومذابحها في لبنان منذ العام 1948.
تحدث البعض عن تنسيق بين الجيش والمقاومة، وهذا مهم. ورفض آخرون هذا الاقتراح دون أن يقدموا اقتراحاً بديلاً. لكن ما نطمح إليه نحن اللبنانيين العاديين، اكثر من تنسيق بين الجيش والمقاومة. نريد جيش دفاع لبناني تتجاوز قدراته وطاقاته أضعاف قدرات وطاقات المقاومة اللبنانية. وهو حلم صعب لكنه غير مستحيل. أولى شروطه توافق زعماء الطوائف على دور القوات المسلحة في الدفاع عن البلد وتحييدها عن صراعات المحاصصة، وذلك بعد أن يحسم هؤلاء خيار الدفاع عن البلد بوجه اسرائيل "الخطر الابرز" كخيار يتقدم على كافة المصالح الطائفية والفئوية والشخصية.
البحث إذاً في دور القوات المسلحة، والذي دعا الرئيس إلى أن نستند عليها في وضع الاستراتيجية الدفاعية، هو بحث في خطة إعادة بناء جيش دفاع لبناني تنمو قدراته وطاقاته تزايداً وصولاً إلى أن يصبح قادراً على تجاوز قدرات وطاقات المقاومة في الدفاع عن البلد. إنه بحث في بناء جديد للقوات المسلحة وفق طراز يمكنها من الدفاع في مواجهة جيش كالجيش الاسرائيلي. لا شك أن طرازاً كهذا يقوم على الدمج بين أساليب وتكتيكات الحرب النظامية وحرب العصابات (تجربة حزب الله) وقتال الفدائيين تحت الاحتلال (تجربة المقاومة الوطنية اللبنانية 1982- 1985).
على هذا المستوى نرى أن يكون البحث في دور القوات المسلحة في الدفاع عن البلد. فلا يصح أن يختزل إلى مسائل عملانية عسكرية تبحث فيها لجنة عسكرية كما اقترح أحد الزعماء (وهو بحث هام). كما لا يصح أن يرحّل هذا البحث إلى إتفاق الطائف وإتفاق الهدنة بين اسرائيل ولبنان كما تحدث الزعيم نفسه، وهو يعرف أن كلا الاتفاقين لا يبحثان في وضع استراتيجية دفاع عن لبنان في مواجهة اسرائيل. كما يعرف أن اسرائيل خرقت إتقان الهدنة مئات المرات وما تزال. وهي أطاحت به عملياً عندما احتلت أرض لبنانية في اجتياح العام 1978 وفي اجتياح العام 1982.
وفق أي طراز سيبني البلد قواته المسلحة؟ وهل يمكن أن يكون الدور الرئيس في الدفاع عن البلد للقوات المسلحة إذا ما أعيد بناؤها وفق النموذج الذي اختبره البلد منذ الاستقلال وحتى الآن؟ تلك هي المسألة، والبحث ليس أقل من ذلك. إنه الخيار الصعب. وهو في احد جوانبه خيار بين بناء قوات دفاع وطني عن لبنان كله ولعامة اللبنانيين، وبين حرص وتمسك كل زعيم وكل طائفية في أن يكون لها حصة ما في القوات المسلحة.
البحث في دور القوات المسلحة في الدفاع عن البلد سياسي بامتياز إذا، وهو بحث عسكري في الستراتيجية والتكتيك المجدي وبامتياز أيضاً. وعلى أساس ما يتوصل إليه البحث يعاد بناء القوات المسلحة وفق طراز آخر وهيكلية أخرى وأساليب قتال جديدة.
فهل يمكن أن تصنع زعامات وقوى طائفية متصارعة للبنان واللبنانيين قوة دفاع وطني لبناني حقيقة؟
تختم أن للبحث صلة تتناول الموضوعات الثلاثة الأخرى المتعلقة بـ :
دور المقاومة اللبنانية في الستراتيجية الدفاعية أولاً، ودور العمل الدبلوماسي ثانياً، والحوار والوحدة والتوافق اللبناني ثالثاً.

العلمنة في لبنان

العلمنة في لبنان
في مقالات جوزيف مغيزل

في مقالاته عن العلمنة في لبنان اتسمت كتابة جوزيف مغيزل بالتركيز على أسسها وعناصرها التطبيقية مستحضراً القليل وما هو ضروري من مرتكزاتها النظرية. ولقد تناولت مقالاته في غالبيتها ثلاث مسائل رئيسية:
المسألة الأولى: توجز الخلفية التي تحدد نظرة جوزيف للعلمنة في لبنان.
المسألة الثانية: تتمحور حول شرح نظرته للنظام العلماني في لبنان.
والمسألة الثالثة: تتناول النقطة المتعلقة بتعريف العلمنة.

وفي هذا النص سنحاول أن نوجز ما كتبه جوزيف مغيزل حول هذه المسائل الثلاث:

المسألة الأولى: ترتكز خلفية جوزيف مغيزل التي يستوحي منها نظرته للعلمنة على مصدرين رئيسيين:

المصدر الأول: الاستفادة من عبر التاريخ:
يرى جوزيف مغيزل أن تجارب التاريخ تنبئنا بأن ربط الدين بالدولة ووضع مقدرات الدين في أيدي الحكام يؤدي إلى استغلال الدين لاغراض ومصالح سياسية تخص الحكام وتمكنهم من استغلال الدين في اكساب حكمهم شرعية إلهية تساعدهم على اخضاع الرعايا لسلطتهم. ويرى أنه عندما ترتبط الدولة بدين أو مذهب معين تستحيل المساواة بين مواطنيها من أتباع الدين أو المذهب التي ترتبط به الدولة ومواطنيها من اتباع الديانات والمذاهب الأخرى. وهذا يؤدي بدوره، إلى تغليب أتباع دين أو مذهب الدولة على سائر المواطنين من اتباع الديانات والمذاهب الأخرى. وفي هذه الحالة يتمحول الدين والمذهب إلى عنصر تفجير إجتماعي وتخلف سياسي.

المصدر الثاني: مبادىء حقوق الانسان
في تحديده لأسس العلمانية ينطلق جوزيف مغيزل، كما يقول، من المبادئ الانسانية التي يومن بها والمبادئ التي اعلنتها شرعة حقوق الانسان ومن الاتفاقية الدولية المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية الصادرة في ستينات القرن العشرين، وجميع هذه تنص على مبادئ الحرية لجميع الناس والمساواة والاخاء بين جميع الناس دون أي تمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو أي شيء آخر.
فلكل فرد الحق في حرية الفكر والضمير والديانة ولا يجوز اخضاع أي فرد لإكراه من شأنه أن يعطل حريته في الانتماء إلى أحد الأديان أو العقيدة التي يختارها. كما تنص هذه، على احترام حرية الآباء والأمهات والالوياء في تعليم أطفالهم الدين والاخلاق تمشيا مع معتقداتهم الخاصة. ويجب أيضاً أن تحترم حرية الفرد في أن يعبر منفرداً أو مع آخرين، بشكل علني أو غير علني، عن ديانته أو عقيدته سواء كان ذلك عن طريق العبادة أو التقيّد أو الممارسة أو التعليم، على أن تخضع الحرية المنصوص عليها للقانون الذي يستوجب السلامة العامة والصحة العامة والأخلاق وحقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية.



المسألة الثانية: حول النظام العلماني

1- يقول جوزيف مغيزل بضرورة قيام نظام علماني في لبنان، وذلك لأسباب عامة محض إنسانية وديمقراطية من ناحية، وهذه أشير إليها في النقطة السابقة، ولأسباب محض لبنانية من ناحية ثانية، وهذه تتعلق بعدد من الضرورات وأبرزها:
ضرورة انتقال المجتمع اللبناني من التفتت إلى التناظم، ولأن النظام الطائفي القائم يهدد طاقاتنا ويعطل العقل فينا ويلهينا عن قضايانا المشتركة ويزج اللبنانيين في تنازعات هدامة ويضعهم أمام اشكاليات كبيرة تتعلق بالزواج وبنظام الأحوال الشخصية الطائفي.
إن قيام نظام علماني لا يعني بالنسبة لجوزيف مغيزل أن يبترأ الشعب اللبناني من تراثه الديني ولا يعني تحريم تعليم الدين للناشئة، لا بل إن قيام نظام علماني يعني إنهاء امتيازات رجال الدين السياسية والقانونية أو الواقعية ومنع تدخل الدولة في تنظيم شؤون الطوائف، كما يعني إلغاء كل النظم والأوضاع الطائفية في الدولة ومؤسساتها من برلمان وحكومة ودوائر، وكذلك يعني إلغاء مساعدات الدولة للمدارس الطائفية، ولمؤسسات الطوائف الاجتماعية. ويرى أن العهد الذي يقوم فيه رجال الدين مقام المجتمع المتقدم في تقديم الخدمات الاجتماعية والتعليمية يجب أن ينتهي، كي يتساوى جميع المواطنين في الخدمات نفسها.
في النظام العلماني، تنشأ علاقة مباشرة بين المواطن والدولة دون الوسيط الطائفي، وذلك على قاعدة المواطنة الديمقراطية وحدها وبما يحقق التناظم المجتمعي بين المواطنين في إطارٍ من الوحدة الوطنية العضوية وحيث يخضع جميع المواطنين مؤمنين وغير مؤمنين للموجبات والأحكام المشتركة التي تقرها الدولة.
إن وجود قانون موحد مدني للزواج والأحوال الشخصية يسود جميع المواطنين في النظام العلماني لا يحول أبداً دون تقيّد المؤمنين بمعتقداتهم الدينية تقيداً كاملاً. فالقانون المدني الإلزامي لا يمنع عقد القران حسب النواميس الدينية قبل أو بعد إتمام الزواج المدني. كما لا يمنع أي مواطن من أن يطبق الشرع الديني فيما يتعلق بأحواله الشخصية وذلك باللجوء إلى وسائل متعددة ومنها الوصية.
أخيراً يرى جوزيف مغيزل أن إلقاء الطائفية يجب أن يكون في طليعة اهتمامات بناة النظام اللبناني الجديد. وهؤلاء البناة بنظره ليسوا حتماً، أولئك الذين يدعون للعلمنة في حين هم يفرقون في لجج الطائفية حتى قمة رأسهم. فهؤلاء لا يقصدون بدعوتهم للعلمنة تحقيقها. فعلى بناة العلمنة فعلاً، أن يمارسوها. فإذا كان الداعي للعلمنة حزباً عليه أن لا يمثل طائفة معينة، وإذا كان فرداً عليه أن لا يدافع عن حقوق طائفية. وعلى كل من يدعو إلى العلمنة أن يكون علمانياً. فالعلمانية ممارسة قبل كل شيء.
2- في قراءته للأسس التي تقوم عليها الدولة اللبنانية الحالية، يتحدث جوزيف مغيزل عن هيكليتان متنافستان تتواجدان جنباً إلى جنب في طريقين متوازيين:
· هيكلية نظام الدولة اللبنانية.
· هيكلية النظام الطائفي اللبناني.

ويرى أن المنافسة بين هاتين الهيكليتان تتمحور حول سعي كل هيكلية لاحتلال الدور الأول المؤثر على مسيرة الشأن العام. وأمام هذه الازدواجية في نظام الحكم في لبنان يكون التحدي في أنه يتعاظم دور نظام الدولة على حساب النظام الطائفي. ويرى أن التحدي الأكبر يكون عندما يبلغ نظام الدولة يوماً ما رحاب العلمانية التي تفصل بين النظامين لصالح نظام الدولة وانهاء نظام الطوائف السياسي.



المسألة الثالثة: حول تعريف العلمنة
في مقالاته، يعرف جوزيف مغيزل
العلمنة وفقاً للأسس الآتية:
1- حياد السلطة: على السلطة، أي الدولة ومؤسساتها أن تقف موقفاً لا منحازاً تجاه المعتقدات الدينية وهذا يعني:
· أن لا يكون للدولة أي معتقد ديني معين أو معتقد الحادي، وأن يكون الدستور خلواً من اعتناق أي دين، أو من أي موقف ضد الدين.
· أن لا تميز الدولة بين الأديان، بل تساوي بينها بالاحترام والحماية.
· أن لا تميز الدولة بين المؤمن وغير المؤمن في تعاملها معهما.
· أن لا تتدخل الدولة في شؤون الدين أو الدين في شؤون الدولة. وأن ترضى الدولة بأن تنظم الأديان أمورها ومؤسساتها كما تشاء، شرط أن لا يؤدي ذلك إلى الاخلال بحريات الغير وحقوقهم وبالنظام العام والآداب العامة والسلام الوطني.
· أن تسن الدولة القوانين على اساس شامل لجميع المواطنين وفقاً لمصالحهم المشتركة العامة.
2- الحرية الدينية: احترام حرية الفرد في أن يعتنق ديناً أو لا يعتنق وحريته في أن يغيّر معتقده الديني وحرية المؤمن في أن يمارس شعائر دينه بحرية وعلناً، دون أن يمس بحرية سواه أو يسيء إلى الراحة العامة والأمن العام. وكذلك احترام حرية المؤمن وغير المؤمن في التعبير كل عن معتقده، علناً في حدود احترام كل منهما للآخر، وضمن إطار الحفاظ على النظام العام. كما يجب احترام حق المؤمنين في الرجوع إلى رجال الدين.
3- حرية التعليم الديني: وتعني حرية رجال الدين بأن يعلنوا عن تعاليم دينهم وينشروها ضمن حدود عدم التعريض للأديان الأخرى، وحرية الأهل في اعطاء أولادهم التعليم الديني أو الاخلاقي الذي يتمشى مع معتقداتهم الخاصة، وعلى الدولة أن تمكن الأهل من ممارسة هذه الحقوق.
4- حرية تملك المؤسسات الدينية: ما تحتاجه لنشاطها من اموال وعقارات.
انتهى تعريف جوزيف مغيزل للعلمنة

ويختصر جوزيف نظرته للعلمنة فيقول أن: العلمنة هي التمييز بين الدولة ومؤسساتها وقوانينها، وبين الأديان ومعتقداتها وشرائعها، لا لتقف الواحدة ضد الأخرى، بل لتقوم كل منها بدورها المستقل وعلى الدولة أن تساوي بين جميع اتباعها مؤمنين كانوا أم غير مؤمنين، فلا تتخذ موقفاً منهم على أساس معتقداتهم الدينية وايمانهم أو انتمائهم الطائفي.
ننتهي إلى أن جوزيف مغيزل يتعرف إلى علمانية لا تناصب الأديان أي عداء، لا بل تجلّها وتحميها وتعتبرها مادة تشكل جزءاً لا غنى عنه من الثقافة العامة.

خلاصة:
لا شك أن ما يدعو إليه جوزيف مغيزل هو علمنة متصالحة مع المعتقدات الدينية والفلسفية جميعها، ولا تتجه في عملها إلى مواجهة الأديان والمعتقدات الفكرية والفلسفية الأخرى، ولا رجال الدين وأصحاب الفكر وهذه علمنة كما شرحها تتوخى أساساً، الفصل بين الدولة والسياسية والشأن العام وبين الطائفيات اللبنانية وتقوم على إنهاء النظام الطائفي اللبناني
.

حكايتي مع الحوار

حكايتي مع الحوار

بعد هدوء حوار الرصاص الذي كان سائداً بين طوائف لبنان، طيلة سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، وإبان انعقاد مؤتمر الطائف الذي انتج إتفاق امراء الحرب انفسهم على عقد هدنة فيما بينهم....
نشطت بين شرائح من الشباب اللبناني، حلقات حوار، تنبذ الحرب، وتنادي بالتعايش (الاسلامي- المسيحي) وقبول الآخر، والمواطنية، والسلم الأهلي.
وكان لي حظ المشاركة بها، مندفعاً، متحمساً،....
حلقات الحوار هذه، قد تقرب وجهات النظر، وتحقق تعارفاً بين الشباب، تساهم في تجاوز الخوف من الآخر، وتبدد الهواجس التي تحولت خلال سنين الحرب إلى كوابيس تحكم الخطاب السياسي مهددة حتى لقمة العيش....
لكني، وجدت نفسي وأنا المسلم احاور شريكي المسيحي، ونبحث معاً عن صيغ للتعايش في وطن يجمعنا على صغر حجمه، معتقدين سلفاً انه يتسع لجميع ابنائه على اختلاف طوائفهم ومللهم.
الا انني كنت بعد كل حلقة حوار، ورغم كل الأفكار الواعدة بامكانية انجاز الكثير، أجد نفسي أمام سؤالين:
الأول يرمي بثقله على كل حلقة حوار: إذ كنت المس أن التقارب بين ابناء المجتمع اللبناني على اختلاف طوائفهم، كبير وكبير جداً وسهل في آنٍ معاً، لكني كنت اشعر بثقل وغلبة المرجعيات السياسية والدينية الكبيرعلى عواطف ووجدانيات المشاركين في هذه الحلقات، ووجدت جواباً، أن الحوار بين اللبنانيين سهل إذا تجاوزوا عقد مرجعياتهم الدينية والسياسية الطائفية. أي تجاوزوا خطابهم المزدوج المقيت.
عندما يريدون أي المرجعيات، يدعون للتقارب والحوار،
وعندما يختلفون، يرفعون سقف الخطاب المتأزم،
أما عامة الناس فسرعان ما يتلقفون خطاب مرجعياتهم دون جدل أو تردد تاركين للمرجعيات مهمة صياغة الخطاب والتفكير نيابة عنهم.
فالمرجعيات تفكر عنا ونحن نردد، هي تأكل ونحن يجب أن نشبع، والنتيجة دائماً: سقف الحوار الجاري بيننا هو مرجعياتنا.
واخيراً أخرج من حلقات الحوار كما دخلت، ولا جديد يذكر.

أنا المسلم، وهو المسيحي، نبحث معاً عن أمور تقربنا، تجمعنا وتحقق العيش المشترك.
حتى يوم خرجت ولمست نتيجة، جعلتني اتردد في الذهاب إلى الحوار مجدداً، ذلك أن منسوب التكاذب عالٍ وهو انعكاس لما كرسته المرجعيات طوال سنين، وهي التي تهدف إلى زرع الشقاق والعداء بين الناس لتبقى المرجعيات هي المرجعيات "تكمش" بزمام الأمور.
أعرف أني بكتابتي هذه اربكك ولا اعطيك ما هو السؤال الثاني الذي اربكني؟
فقد اردت من خلال قراءتك لمقالي هذا أن تشعر معي كيف كان يدار الحوار، إذا كنت قد تجاهلته وأنت تكذب كل يوم في تعاطيك مع سائر أفراد عائلتك أو مجتمعك أو ابناء وطنك.

السؤال الثاني الذي كان يربكني هو؟
- أنا المسلم الذي أدخل الحوار،
- وهو المسيحي الذي يدخل الحوار،
هناك كثير ما يجمعنا الا أننا لم نهتد إلى العنوان الأكبر الذي يمكن أن يقنعنا ويجعلنا بعيدين عن الكذب والأزدواجية بالخطاب.
ازدواجية الخطاب: أي بين أنا المسلم وخطابي مع اهلي ومجتمعي وبيئتي الخاصة وبين أنا المسلم الذي اتقرب إلى شريكي في الوطن المسيحي لنبحث عن أشياء مشتركة.

النتيجة:
الكذب ملح الرجال، وملح الحوار، وملح التعايش، وملح التقارب، وملح التباعد وملح الاختلاف..
كثيرة هي الاسئلة.. لكن ماذا أفعل
سألت نفسي هذا السؤال؟
ماذا تعني لي كلمة المواطنية والوطن؟
كيف لي أن اصل إليها وأنا متمسك بكل خلفياتي الثقافية والايديولوجية والاجتماعية والبيئية؟!
والأهم كيف لي أن اجلس ولو لمرة واحدة كي أطرح رأي بحرية؟!
وما تمليه عليّ قناعاتي غير آبه برأي المرجعيات والمجتمع الخاص بي ولا أهاب محاسبته.
- والحرية؟!
كلمة صعبة، وشاقة، ومتعبة.
- هل استطيع أن اشعر بحريتي ولو للحظة وأعبر عن رأي الحر؟
وما هو الرأي الحر؟
- الرأي الحر الذي ينبع من ايماني أني حرّ؟
- وايماني الحرّ، هو أن أفكر بطريقة حرّة؟
- افكر بطريقة حرة: هو أن افكر بطريقة مجردة من أي تأثير حتى من أفكاري الموروثة الجميلة؟
وهو سؤال صعب، وموقف صعب وتحدٍ صعب؟
أنا لا أطرح أن أكون مجرداً من معتقداتي لا سمح الله.
ولا أطرح أن أكون بعيداً عما أمثل أنا؟
أنا أقول، عندما أبحث في المواطنية؟
هل استطيع أن أفكر بطريقة حرّة، وأن أعبر عن رأي بطريقة حرّة.
- عندما أريد أن أفكر بوطني؟
هل أستطيع أن اتجرد من كل ما يقيدني،
فقط أحمل حريتي، وفكري الحر، لأشعر بمواطنيتي.

على فكرة،
الراي الحر، شوهته الأقلام والمرجعيات إلى حد بات ليس حراً. خاصة عندما تكون في صفوف الموالاة أو المعارضة؟
الرأي الحر، أصبح لعق على ألسنة كل من يريد أن يذم الآخر أو يلعن طرحه وفكرته؟
أنا أتكلم عن الرأي الحر الحقيقي، الذي يمكن لي أن يكون مشروعاً لحلقة حوار حقيقي،
لا بد أن أدخل حراً، واؤمن أني كذلك، وأني قادر على ممارسة حريتي الفكرية دون قيد أو شرط؟

علي خليل ترحيني

اليسار والعلمنة

اليسار والعلمانية
كي لا يكون الأمر مجرد عزاء

تحّل العلمانية ضيفاً جديداً على خطاب أهل اليسار اللبناني، ويظل هذا الخطاب "مكابراً" فلا يعترف بحداثة استضافتها، بل يحسبها من "أهل الدار" الأصيلين، ويزعم أنها اختصاصاً قديماً له، بصفتها مكوناً رئيساً من مكونات الاشتراكية الأشمل التي طالما سعى اليسار لتحقيقها.
وفي إسقاط للفكر الماركسي الكلاسيكي، يضمر اليسار أن تعقد قيادة العمل العلماني له، مثلما كان عليه سابقاً أن يقود الطبقة العاملة في سيرها "الحتمي" نحو تحقيق الاشتراكية، مفترضاً بذلك أن الانحياز الاجتماعي شرطاً ضرورياً لأي تكتل سياسي.
والحال، لا يمكن لمريدي العلمنة إلا أن يغتبطوا لركوب اليسار مركبهم الخشن، الطامح لعبور بحر الطوائف المتلاطم إلى ضفة القوانين التي تظلل وتحكم الجميع وتسعى لجعل "العيش معاً"، على الأقل، ممكناً، أما تولي الدفة فهذا أمر يحسمه ميدان العمل لا دوائر النظر.
لكن لئلا تبقى العلمانية مجرد عزاء لفشل اليسار في استمالة الطوائف المحرومة، وقيادته لها في حربه الرامية إلى تجاوز النظام الطائفي وما يحمله من ثنائيات الغبن والاستئثار، نحو نظام جديد يرسي "أسس الانتقال الاشتراكي". وكي لا تصاب العلمانية بالغموض والالتباس تحت وطأة الاستعجال للعب دور ٍما، على اليسار (العلماني) التواضع وتقبل حقيقة انه لا يمكن لذات الأفكار والأحكام والديناميات أن تصلح لمرحلتين، العلمانية أمر والنضال الاشتراكي أمر آخر، هذا مقام وذلك مقام.. ولكل ٍ مقاله، الخلط بينهما" مضر كوضع السيف في موضع الندى". وبالتالي، فان ولوج ميدان العلمنة يتطلب بداية الاعتراف بان معالجة مسألة عسر الاندماج الاجتماعي للبنان، يجب أن تتقدم على البحث في نظامه الاقتصادي والاجتماعي، ويفترض أن تكون لها "عدّتها" المختلفة. وعلى سبيل المثال نذكر أوجه الاختلاف التالية:
1- تقتضي العلمانية التنبه من الوقوع تحت أغراء الإسهاب في تعريفاتها، وبالتالي محاذرة استكمال ما درج عليه: إجادة المناداة بالمطلقات، أي إحلال العلمانية هنا مطلقاً جديداً محل مطلق الاشتراكية الخافت بريقه. فنحن لا نقدم شيئاً للفكر الإنساني إذا أسهبنا في إطلاق تعريفات للعلمانية، قد نقدم جديداً متى استطعنا وضع تصورات علمانية لمشكلاتنا. وعليه، تفرض العلمانية مجهوداً لتجاوز ما ارتبط لفترة وجيزة بها. أي فكرة فصل الدين عن الدولة (التي سادت أثناء الثورة الفرنسية) وهي فكرة إن حضرت لوحدها تجعل العلماني متشكياً متأففاً، منسحباً من تعقيدات الواقع إلى عالم ٍ متخيل. المطلوب، تجاوزها إذن إلى الإسهام في تبيان كيفية تنظيم العلاقة ورسم الحدود بين الدين والدولة، ولا بأس في الحال اللبنانية من القول بين الطوائف والدولة، العلاقة التي تترك للدولة مهمة توفير الضمانات والمتطلبات والحقوق للأفراد والجماعات، وخصوصاً حماية الفرد بأن يكون له خياراً روحياً أو لا يكون.
2- العلمانية ليست خياراً يمكن إشهاره مرة واحدة وإلى الأبد، وليست عملية سير حتمي ترسم للقيادة مهامها، ولا هي مسألة تغيير فجائي تحطم القديم وتقيم جديدها على أنقاضه، بل هي سيرورة متعاقبة تخرج من كل معركة بحلة متجددة.
3- تقوم العلمانية على التعددية والتنوع, ومثلما لا يكون الماء بدون مكونـّيه، فان العلمانية لا تقوم لها قائمة بدون أوكسيجينها: الديمقراطية. التي تقتضي بذل "مجهود تكيّف" أكثر عسراً، وهي أسلوب ومنهج عمل قبل أن تكون شعارات.

باختصار، تطرح العلمانية على اليسار تحديات نظرية لا يمكن معها الركون للمناداة بها كخيار "ممكن" بديلاً للخيار الطائفي "المستحيل".. وفي مخزون اليسار من الاستجابة للتحديات النظرية ما يجعلنا في لهفة ٍ للإصغاء.
سعيد الديراني

الطور الراهن في الصراع الطائفي في لبنان بعد اتفاق الدوحة

الطور الراهن في الصراع الطائفي في لبنان بعد اتفاق الدوحة

مع اتفاق الدوحة، دخلت الصراعات الطائفية في البلد طوراً جديداً. فما قرره الاتفاق عكس إلى حد كبير التعديلات التي طرأت على ميزان القوى بين الطوائف المتصارعة نتيجة مواجهات السابع من أيار، وما كرسته من غلبة عسكرية لصالح قوى 8 آذار بعد استيلائها على بيروت. والأبرز كان تسليم قوى 14 آذار مضطرة بمطالب ظلت ترفضها لسبعة عشر شهراً. والآن، بعد أن تم تطبيق البندين المتعلقين بانتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة على قاعدة إعطاء الثلث الضامن "للمعارضة"، وبعد أن إنتهت التجاذبات الطائفية إلى توزيع الحصص الوزارية بين كافة الفرقاء، ما هي طبيعة الطور الراهن في الصراع الطائفي في لبنان؟
لم تكن غاية "اجتماع الدوحة" التوصل إلى تسوية طائفية جديدة بين فرقاء الصراع. لذلك لم تتمكن الطبقة السياسية اللبنانية من إنتاج نسخة جديدة من النظام الطائفي اللبناني تشكل بديلاً عن نسخته السابقة ،التي انقضت مع خروج قوات النظام السوري من لبنان. فالبلد ما زال يعيش حتى الآن، مخاطر آلام ولادة عسيرة لهذه الصيغة الجديدة للنظام الطائفي اللبناني. والحال فقد سعى اجتماع الدوحة للتوصل إلى اتفاق يمكن الطبقة السياسية من انتخاب رئيس للجمهورية ، وتشكيل حكومة يشترك فيها جميع الفرقاء ، ثم اقرار قانون العام 1960 للإنتخابات النيابية . وباقتصاره على ذلك ، كان الهدف الرئيسي من "اجتماع الدوحة" هو التوصل إلى اتفاق يحدّ من الإقتتال المسلح ، وينقل الصراعات الطائفية من الشوارع إلى داخل الحكومة الجديدة.
إذاً، ولأن إتفاق الدوحة لم يضع تسوية طائفية جديدة، فإن الصراع على الحكم والمحاصصة ومن أجل تعديل ميزان القوى سيستمر في الطور الراهن. ورهان كل فريق ما يزال هو نفسه.
14 آذار تراهن على متغيرات إقليمية تضعف خصومها ،وتنتظر ضربة أميركية لإيران، كما تأمل تقدم المفاوضات على المسار الاسرائيلي- السوري بما يؤثر سلباً على العلاقة السورية مع حزب الله ، اما قوى 8 آذار فتراهن هي الاخرى على تراجع ما في الخطة الاميركية ، تتولاه الادارة الجديدة المنتظرة ، بحيث يكون الوجه الآخر لهذا التراجع خلق مناخ جديد ينقل حليفي المعارضة الاقليميين من وضعية المستهدف الى وضعية القادر على عقد الصفقات. والحال، فان كل من الطرفين يمارس تقطيعاً للوقت يأمل في غضونه اعداد القوى وتجميع الطاقات تمهيداً لتحقيق الغلبة الكاسحة على الخصم ، ويتوخى الطرفان ان تشكل الانتخابات الموعودة محطة مفصلية في هذا السياق ، هذا دون ان نلغي امكانية بروز "خروقات" قد تبرز لدى كلا التكتلين ، وتتخذ شكل "تفاهمات" او "تحالفات مموهة" ،تمليها الرغبة في الحصول على هذا المقعد او ذاك.
هنا تحضرالعناوين التي يتمحور حولها الصراع الطائفي في الطور الراهن بصفتها "اختصاصات" او "حقوق مكتسبة"لهذ الطائفة او تلك : المقاومة وسلاحها، العلاقات مع سوريا، المعتقلين اللبنانيين في سوريا، اسرائيل والسياسة الدفاعية، المشاريع الاميريكية، بناء الدولة..إلخ، وجميع هذه قضايا فعلية وحقيقية. لكن تنقلب عند تناولها الأولويات ويصبح سلاح المقاومة مثلاً هوالمشكلة وليس الاحتلال ، مثلما تحضر الفصاحة والبلاغة في تناول هذه القضية ويسود الارتباك والتلعثم حيال تلك، ، او يبرر استعمال سلاح المقاومة في الصراع الأهلي الداخلي لدى البعض، وتتحول الولايات المتحدة إلى صديق في نظر البعض الآخر، وينسى هؤلاء آخر نبؤاتها : الشرق الأوسط الجديد على انقاض ركام الضاحية المحروق وفوق أشلاء اطفال الجنوب.
هكذا الطائفيات دائماً؛ تغيب عندها المصالح الوطنية الفعلية، وتحضر قضايا الوطن لديها منظوراً لها من زاوية مصالح الطائفيات المتضاربة والمتصارعة فيما بينها ، والمتعارضة مع كل ما هو مصلحة وطنية ولبنانية مشتركة.فأي بؤس تفرضه الطائفيات على البلد وعلى اللبنانيين: تتقاسم قضايا الوطن الفعلية وتطيّفها، واذا انبرت احداها لقضية ما تنكرت الاخرى لها، وكل طائفية تقول أن ما تعمل له يبنى وطناً ودولة. لكن الحقيقة هي أن اللبنانيين غارقين في انقساماتهم وصراعاتهم، ويستخدمون قضايا الوطن ،بعد أن يجري تطييفها ، في مواجهة بعضهم البعض.
نختم
رهانات قوى الصراع الطائفي ومواضيع الصراع ستستمر هي نفسها في الطور الراهن إذا. ومن المتوقع أن تشكل الانتخابات النيابية للعام 2009 محطة رئيسية في هذا الصراع ومناسبة إطلاق حراك شعبي جديد، خاصة بعد أن إنتقل الحيز الأكبر من الصراع الطائفي، في هذا الطور الجديد، من الشارع إلى المؤسسات الدستورية.
زعماء الطوائف يختلفون ويتصارعون على الحصص الوزارية ومنافع الحكم وعموم اللبنانيين يدفعون الثمن.
ويبقى لبنان مشروع وطن معلق على مشجب الصراعات الطائفية، ويبقى اللبناني مغيباً تختزله زعامات طائفية. ويبقى السؤال متى ينجح البلد في بناء مواطنين أحرار مستقلين عن كل الزعامات، فيشكلوا باتحادهم كتلة شعبية وازنة، كتلة تعيد للقضايا صفتها الوطنية الجامعة.

الأربعاء، أبريل 23، 2008

حول المحكمة الدولية


حلقة نقاش
لبنان ديمقراطي علماني
حزيران سنة 2007

حول المحكمة الدولية
الاتفاق بين اللبنانيين هو المخرج الوحيد

لا نعتقد أن مصلحة اللبناني تتحقق إذا نجح فريق في فرض المحاكمة الذي يريد وانفجر البلد كنتيجة. وكذلك لا تتحقق مصلحة اللبناني إذا ما تخلى الفريق الآخر عن تحمل المسؤولية الوطنية الواجبة في التعامل مع جرائم الاغتيال السياسي.

والحل لا يكون بالتأكيد: إما محكمة دولية وفق ما يريد فريق بالقوة، وإما عدم تحمل المسؤولية الوطنية في التعاطي مع جرائم الاغتيال السياسي، وبالتالي لا محاكمة بالقوة. ونعتقد أن التسوية الجدية بين الطوائف هي سبيل وحيد لحل لبناني مؤقت وسبيلنا إلى مواجهة مسلسل الاغتيالات المستمر.


منذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وبدء الحديث عن المحكمة الدولية في البلد، بدأ صراع داخلي حولها. كان صامتاً في البداية، ثم تدرج في ظل استمرار جرائم الاغتيال، وأصبح صاخباً. واندرج هذا الخلاف حول المحكمة الدولية في إطار الصراع الداخلي بين الطوائف اللبنانية.
فريق 14 آذار يقول أنه يريد المحكمة الدولية لمعرفة قتلة الرئيس الحريري ومعاقبتهم. ويرى أن هذا يضع حداً لمسلسل الاغتيالات ويحمي البلد من المخططات الإجرامية التي يرتكبها النظام السوري بحقه، فضلاً عن حمايته لاستقلال البلد. لا شك أن فريق 14 آذار يريد ما يقول. ولكن ما يريده أيضاً، فوق ذلك، توجيه ضربة إلى فريق 8 آذار عبر إقرار المحكمة الدولية. وهذه مسألة أساسية بالنسبة له. ومن هنا أتى رفض فريق 14 آذار لإجراء أية تعديلات جوهرية تتناول مواد نظام المحكمة الدولية بالمضمون، وهو ما كانت تشير إليه قوى 8 آذار.
وهذا الرفض عبر عنه صراحة عدد من أركان 14 آذار، على اعتبار أن الغرض من مثل هكذا تعديل هو حماية النظام السوري من العقاب.
أما بالنسبة لفريق 8 آذار، فقد اعترض على نظام المحكمة كما اقترحته الحكومة اللبنانية وأقرته مؤخراً الأمم المتحدة تحت الفصل السابع. واعتبر العماد عون والرئيس بري أن إقرار المحكمة الدولية تحت الفصل السابع يمس بسيادة البلد، في حين لم يقترح "حزب الله" على اللبنانيين مشروع نظام آخر للمحكمة يقارب القوانين الجزائية المعمول بها في الدول والهيئات الدولية، مما يرجح الشبهة التي تقول أن "حزب الله" لا يريد المحكمة دولية أصلاً.
ومن نافل القول أن إقرار المحكمة الدولية تحت الفصل السابع شكل انتصار أو مكسباً لفريق 14 آذار، وخسارة لفريق 8 آذار على الصعيد الداخلي. ويتحمل الفريقان المسؤولية عن وصول أمر المحكمة الدولية إلى ما وصلت إليه.
مع إقرار المحكمة الدولية في الشهر الماضي، وللمرة الأولى منذ الاستقلال، يصل انكشاف الداخل اللبناني على الخارج إلى ذروة عالية جداً لم يصلها قبل الآن. وعلى عكس ما يقوله فريق 14 آذار حول أن إقرار المحكمة سيكرس استقلال لبنان ويحميه، فإن هذا اللون الجديد من التدويل والانكشاف اللبناني على الخارج يحمل مخاطر عدة قد لا نستطيع تلمس مداها في اللحظة الراهنة. لكن من غير المستبعد أن تؤدي "المحاكمة" إذا ما جنحت، إلى مزيد من التبعية والالتحاق لأطراف الداخل اللبناني بالخارج: الأميركي – الأوروبي من جهة، والسوري – الإيراني من جهة أخرى. على الأقل، فإن المحاكمة قد تفتح صفحة جديدة تزخم الصراع الطائفي في الداخل، وتعلق التسوية بين الطوائف اللبنانية لمدة أطول، وقد تدفع بالتوتر بين لبنان وسوريا إلى ذروة أعلى مما هي عليه اليوم.
لا شك أن الطبقة السياسية اللبنانية مجتمعة، وبكافة أجنحتها الطائفية (وبشكل خاص فريق 14 آذار و8 آذار) تتحمل المسؤولية عن النهج الذي اعتمدته في التعاطي مع جريمة اغتيال الرئيس الحريري. لا سيما لجهة توظيف الجريمة في إطار الصراعات الطائفية في البلد وانكشافها على الوضعين الدولي والإقليمي. وهو ما أدى إلى تعطيل القضاء اللبناني وربط مسار التحقيق بالأطراف الخارجية، مروراً بتعذر الاتفاق بين قوى 14 آذار وقوى 8 آذار على نظام محكمة دولية يتوافق مع ما تعتمده الدول عادة من أنظمة وقوانين جزائية، وصولاً إلى توسل المحكمة الدولية هراوة ضغط وترهيب تستعملها الولايات المتحدة الأميركية في مواجهة الخصوم والأصدقاء من دول المنطقة على السواء.

وهنا لا يفيدنا الدخول في تفاصيل التجاذبات والخلافات بين الفريقين حول المحكمة الدولية أو نقاش الردود والردود المضادة.
ويكفي أن نشير إلى أن كلا الطرفين لم يتحملا المسؤولية الوطنية المطلوبة في التعامل مع هذه الجريمة. إذ أن جلّ هم قوى 14 آذار كان فرض نظام "محكمة دولية" على البلد. يتضمن فيما يتضمن مواد جنائية لا نعتقد أنه يمكن اعتمادها في القوانين الجزائية في أي بلد من البلدان المتقدمة. في حين أن قوى 8 آذار لم تتعاطى بالجدية المطلوبة مع المسألة، حيث لم تطرح على اللبنانيين نظام محكمة دولية آخر يتوافق مع القوانين الجزائية المعمول بها في لبنان وفي بلدان العالم المتقدم، وعزوفها عن ذلك سهّل اتهامها من قبل الفريق الآخر بأنها تسعى إلى عرقلة قيام هذه المحكمة أصلاً.

نختم بالتساؤل: هل سيدرك أركان الطوائف وزعاماتها أنه بات ينبغي إخراج جرائم الاغتيال السياسي من دائرة الصراعات الطائفية كي يتمكن اللبنانيون من التوصل إلى إجماع وطني يؤمن مناعة داخلية ضرورية لمواجهة مسلسل الاغتيال السياسي المستمر.

لا افق لتسوية سياسية في لبنان


حلقة نقاش
لبنان ديمقراطي علماني
شباط سنة 2007
لا أفق لتسوية سياسية في لبنان

ما تزال الأزمة السياسية اللبنانية تراوح، منذ عدة أشهر، عند نقطة التعليق إياها، بعد أن بات واضحاً أن مصادر هذا التعليق المديد للازمة داخلية أولا وأساساً، وهذه تتعلق بصراعات الطوائف على السلطة والحكم من جهة، وأميركية وسورية من جهة ثانية. ومما يزيد الأمر صعوبة هو أن المساعي السعودية – الإيرانية معطوفة على حركة الأمين العام للجامعة العربية لم تتوصل حتى الآن إلى تحقيق بدايات تفاهم بين الأطراف الطائفية المتصارعة يمكن من صياغة تسوية طائفية ما فيما بينها .
وقد أظهرت الحشود الشعبية التي استحضرتها قوى 14 آذار في الذكرى الثانية لاغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري مدى توازن القوى في تجييش كل من طرفي الصراع لجمهوره في محاولة لتأكيد امتلاكه الأكثرية، وأكدت الخطابات التي ألقتها قيادات 14 آذار في المناسبة وبعدها خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله مدى الانقسام الأهلي اللبناني وعمق الخلافات الداخلية بين مكونات المجتمع اللبناني، وعجز الأطراف الداخلية وعدم قابليتها لانجاز التسوية.

ويرتبط هذا الوضع الداخلي مع تطورات تلحظها المنطقة بتأثير من الدول المؤثرة.

الموقف الأميركي:
فالمشروع الأميركي ما زال مصراً على تفكيك وإعادة بناء كيانات المنطقة ضمن رؤية الإدارة الأميركية لشرق أوسط جديد ممسوك أميركياً، تجري فيه واشنطن جراحات عميقة وعلى شعوب المنطقة تحمل آلام هذه الخطة. وترعى الإدارة الأميركية الانقسامات المجتمعية في كل كيان من الكيانات المختلفة، لذلك تجلى موقفها برفض إفساح المجال أمام أية تسوية تلوح في الأفق اللبناني. وعدم إعلان موقف نهائي من اتفاق مكة بين الأطراف الفلسطينية من خلال رفع مستوى الشروط المطلوب تنفيذها من أية حكومة وحدة وطنية فلسطينية قادمة. ورغم التغييرات التي أجرتها الإدارة الأميركية في إستراتيجيتها العراقية فلا زالت خطتها تقوم على تغذية الاتجاهات الانفصالية التي تسعى لعراق كونفدرالي قائم على ثلاثة أقاليم.

رغم غياب أي قطب موازي للولايات المتحدة التي تسعى لتكون شرطي العالم، إلا أن تطورات بدأت تظهر مؤخراً من خلال السياسة الروسية.

الموقف الروسي:
يبدو أن روسيا تعود لتبدأ ببناء موقع أساسي لها في العالم، بعد أن أحست بالخطر الأميركي الزاحف حولها والذي يسعى لتطويقها بقواعد عسكرية تتمركز في الجمهوريات السوفياتية السابقة في أسيا الوسطى وتشكل حسب رأي روسيا خطراً على الأمن القومي الروسي، فكان لافتاً الاعتراضات الروسية على السياسة الأميركية حيال إيران والشرق الأوسط. وأكد ذلك الجولة التي قام بها الرئيس الروسي بوتين إلى عدد من دول المنطقة. أنها بدية حرب باردة. نعم، ربما كان ذلك صحيحاً وقد بدأت واشنطن تدرك ذلك. وتتوافق السياسة الروسية مع سياسة عدد من دول المنطقة. التي تحاول الاقتراب من صياغة تسوية سياسية في لبنان وخصوصاً المملكة العربية السعودية.

الموقف السعودي:
لأول مرة منذ عام 1973 تتباين المواقف الأميركية مع المواقف السعودية فالمملكة العربية السعودية تشعر أن انفجار الصراع بين السنة والشيعة في المنطقة سيلقي بظلاله وتأثيراته على الوضع الداخلي السعودي مما دفع القيادة السعودية إلى بذل الجهود من أجل رعاية تسوية لبنانية – لبنانية وهذا ما ظهر من خلال الدور النشط الذي يلعبه السفير السعودي في بيروت عبد الرحمن الخوجة والزيارات المتكررة للزعماء اللبنانيين إلى رياض، وإذا كانت المملكة العربية السعودية نجحت في دفع الأطراف اللبنانيين إلى الرياض، وإذا كانت المملكة العربية السعودية نجحت في دفع الأطراف الفلسطينية إلى التوقيع على اتفاق مكة يفتح الباب أمام اتفاق فلسطيني لتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية، إلا أنها ما زالت عاجزة عن إنضاج تسوية لبنانية لأسباب تتعلق بالبنى الاجتماعية اللبنانية والذي يسعى كل طرف إلى محاولة الهيمنة على لبنان من جهة، وأسباب أخرى تتعلق بالأطراف الخارجية المؤثرة في لبنان والرافضة لعقد تسوية جديدة في لبنان وهما الإدارة الأميركية والنظام السوري.

الموقف السوري:
فالمشروع السوري حيال لبنان يراوح مكانه، والنظام السوري ما زال يحلم بالتوصل إلى تسوية مع واشنطن تؤمن له استعادة دور إقليمي فقده عندما أجبر على الخروج من لبنان في 28 نيسان 2005، ولا يجد طريقاً للوصول إلى اتفاق مع الاميركان سوى بتصعيد الأزمة الداخلية ودعم الأطراف المحسوبة عليه والوقوف بوجه أية تسوية يمكن أن ينتجها الوضع العربي، ويعرف النظام السوري أن استقرار الوضع اللبناني والتوصل إلى تسوية تحافظ على استقلالية نسبية للموقع اللبناني من شأنه أن يضعف من وضعها الداخلي ويفتح الباب أمام رياح التغيير المجهول. وإذا كان النظام السوري يعيش عزلة عربية وخصوصاً أن معظم الأبواب موصدة في وجهه، فلم يعد له نافذة سوى الجمهورية الإسلامية في إيران.

الموقف الإيراني:
وإذا كانت إيران تمتلك خطة أصلية للمنطقة تقوم على مد نفوذها إلى البحر المتوسط عبر لبنان وغزة وتحاول التوصل إلى اتفاقات متعددة مع واشنطن يحفظ لها النفوذ في العراق وأفغانستان ويعطيها دوراً أساسياً في المنطقة، ولو على حساب الدول العربية المحسوبة على الإدارة الأميركية، لكنها أدركت أن الصراع المكشوف بين السنة والشيعة في المنطقة سيقلص من نفوذها ويمنعها من بناء موقع مميز في المنطقة لذلك بات النظام الإيراني على قناعة أن الوقوف بالكامل وراء قوى 8 آذار اللبنانية سيضعف موقفها الإجمالي. وأصبح ب لها ضرورياً التوصل إلى اتفاق مع الرياض لرعاية تسوية سياسية في لبنان.


لكن يبدو أن الاتفاق السعودي – الإيراني حول الوضع اللبناني يصطدم بعوائق وحواجز داخلية لبنانية وخارجية سورية – أميركية، مما يدفع الاستنتاج إلى ما يمكن أن ينتجه أي اتفاق هو هدنة لبنانية داخلية يمكن أن تكون محطة للانطلاق نحو تسوية، ويمكن أيضاً أن تكون استراحة محارب تفتح الباب أمام إعادة فتح الصراع بين القوى الطوائفية والمذهبية وخصوصاً أن التطورات التي شهدتها البلاد مؤخراً تشير إلى انسداد أفق التوصل إلى تسوية متوازنة. وان القوى ليست بوادر التوصل إلى مثل هذه التسوية، وليست قادرة على ذلك أيضاً. ويترافق كل ذلك مع غياب المساحات المشتركة بين اللبنانيين وارتفاع الحواجز بينهم وغياب مشروع وطني ديمقراطي مستقل، مما يجعل من اللبنانيين بشر يعيشون في مساحة جغرافية يحلمون بوطن معلق.

حول فتح الاسلام


حلقـة نقـاش لبنان ديمقـراطي علمـاني
أواسـط آب سنة 2007-08-21

حول فتح الاسلام
كشف تصريح قائد الجيش اللبناني الحقيقة عن "فتح الإسلام وعن حربها على لبنان، كما كشف التعمية على اللبنانيين التي مارسها فريقا السلطة اللبنانية منذ اندلاع القتال: فريق 14 آذار ومعه الحكومة وفريق 8 آذار.

أخيراً: وبعد ثلاثة أشهر على اندلاع القتال في مخيم نهر البارد حسم تصريح قائد الجيش في 13 آب الماضي، الجدل الدائر بين فريقي 14 آذار و8 آذار حول الحقيقة عن "فتح الإسلام" والحقيقة عن حربها على لبنان. ولقد اتسم هذا الجدل بالابتعاد عن كل ما هو موضوعي وعقلاني وغابت عنه المصداقية.
نشير بداية إلى أنه ما صرح به قائد الجيش هو ما كنا قد ذهبنا إليه في نقاشاتنا الداخلية منذ الأيام الأولى لاندلاع القتال.
ونعتقد ثانياً، أن يحق لنا أن نفترض أن فريقا السلطة السياسية اللبنانية: فريق 14 آذار ومعه الحكم وفريق 8 آذار، عرفا بما أدلى به معتقلوا فتح الإسلام في التحقيقات التي جرت معهم من قبل الجيش وقوى الأمن الداخلي. وإذا صح هذا الافتراض، يكون فريقا 14 آذار و8 آذار قد لجآ إلى تعمية حقيقة "فتح الإسلام" وحقيقة حربها على لبنان طيلة الأشهر الثلاثة الماضية.
إن فريق 14 آذار، بحديثه عن "فتح الإسلام" أداة صنعتها المخابرات السورية وتستخدمها لتفجير الأوضاع في لبنان في إطار خطتها لاستعادة دورها الإقليمي فيه...، وإن فريق 8 آذار بحديثه عن المؤامرة التي دبرتها الحكومة لزج الجيش في قتال مع "فتح الإسلام" يؤدي إلى إضعافه ... أن كلا الفريقين بما يروجانه، إنما يعملون على تعمية حقيقة "فتح الإسلام" عن اللبنانيين. والحقيقة: ولقد بات يعرفها الآن كثيرون، أن "فتح الإسلام" بما هي فرع للقاعدة في لبنان، تسعى إلى إقامة إمارات سلفية حيث تستطيع بالوسائل العنفية ونشر الفوضى والرعب والخراب في البلد. وهو ما يهدد وجود الكيان اللبناني، كما يهدد حياة كل لبناني بالقتل والذبح يوميا وبالتهجير والدمار. لا شك أن هذه المخاطر التي تطال الكيان في وجوده وحياة كل لبناني هي أشد وطأة على اللبنانيين بما لا يفارق مع تلك المخاطر التي يمكن أن تطال البلد واللبنانيين فما لو كانت "فتح الإسلام" مجرد صناعة سورية (وهي ليست كذلك)، أو فيما لو كانت مدعومة من الحكومة ومن تيار المستقبل (وهي ليست كذلك أيضاً). ومن البديهي أن نعتبر أن "فتح الإسلام" كغيرها من القوى السياسية، تعمل على إقامة علاقات مع دول وأطراف سياسية أخرى في إطار تبادل والتقاء المصالح بين هذه الأطراف. وهذا يفسر نوع علاقتها بالمخابرات السورية، كما يفسر نوع علاقتها بطرف رئيسي من قوى 14 آذار. لكن الأساس يبقى: أن لفتح الإسلام (كما لكل طرف سياسي) مشروعها وبرنامجها وخطتها الخاصة. وهو ما يعين حدود وطبيعة صلتها بالأطراف الأخرى (مخابرات، قوى سياسية...) ويجعلها تتخذ قراراتها (حرب، سلم، هدنة، صراع، تحالفات ...) باستقلالية ووفق رؤيتها لمصالحها.
لذلك نرى أن "فتح الإسلام" (وليس أي جهة أخرى) هي التي اتخذت قراراً بما حصل ليلة 19-20 أيار الماضي (الاعتداء على الجيش) وهو لا يخرج عن نوعية القرارات التي تتخذها عادة الأصوليات السلفية المتطرفة ولا عن أسلوب عملها. وإن تزامن العملية واندلاع القتال في نهر البارد مع إقرار المحكمة الدولية في مجلس الأمن كان محض صدفة.
في حرب نهر البارد، لم يؤدي القرار الشجاع الذي اتخذته قيادة الجيش بالدفاع ضد الاعتداءات التي تعرض لها الجيش إلى "تضحية بالجيش اللبناني وبالشعب الفلسطيني وبلبنان"، ولم يضعف الجيش ولم يرتبك ولم "تتعطل قدراته" كما حذر البعض في 8 آذار.
وعلى العكس، فإن عدم التصدي لهذه الاعتداءات هو الذي يضعف الجيش ويعطل قدراته ويضع الشعبين الفلسطينيين واللبناني في دائرة أخطار مصيرية تطال وجود وحياة وعيش اللبنانيين والفلسطيني على السواء، ومن دون حماية.
لقد أظهرت حرب نهر البارد، خطأ التخوف الذي أعلنه قادة لبنانيون من أن يتجول لبنان "إلى ساحة قتال بين الأميركيين وتنظيم القاعدة".
لقد جرى الإعلان عن هذا التخوف في الأيام الأولى لاندلاع القتال. ويؤشر هنا الإعلان إلى ان هذه القيادات كانت تعلم بأن "فتح الإسلام" هي فرع للقاعدة في لبنان. ألا تضعها هذه المعرفة أمام مسؤولية كشف هذه الحقيقة للبنانيين والبحث بسبل توحد اللبنانيين جميعاً في مواجهة الأخطار المصيرية التي يتعرضون لها. بدل الفرق في الحديث عن مؤامرة فريق من اللبنانيين على الجيش لزجه في معركة نهر البارد؟! خاصة وان حرب نهر البارد لم تكن حربا بين الأميركيين والقاعدة، بل كانت حرب القاعدة على لبنان. هي حرب مصير على البلد أن يتوحد في خوضها، ولأنه قد تكون معركة البلد مع القاعدة في نهر البارد المعركة الأولى في هذه الحرب.

نختم بنقطتين:
الأولى: إذا كان الحسم بمسألة العقيدة القتالية للجيش على قاعدة إن إسرائيل هي عدو لبنان قد شكل محطة أولى بدونها لا يمكن أن يتأسس جيش وطني لبناني يكون عنصراً رئيسياً من عناصر تكون الشعب اللبناني وبناء وحدته الوطنية؛ فإن معمودية نهر البارد شكلت محطة تأسيسية ثانية في مسيرة بناء جيش وطني لبناني موحد ومحارب.

الثانية: إذا كانت مصالح الزعامات الطائفية المتصارعة فيما بينها على الحصص في السلطة والحكم ومنافعه والدولة ومؤسساتها، تقتضي التعمية على اللبنانيين وحجب الحقائق عنهم في كثير من الأحيان، وإذا كانت زعامة كل طائفة تروج بين أبناء طائفتها لفكرة المؤامرة التي تصنعها لها الطوائف المتصارعة معها وحلفاءها من الدول الخارجية،
متى سيبدأ اللبناني بإخضاع ما يقوله زعماء طائفته خاصة، والطوائف الأخرى عموماً، للتفكير والنقاش العقلاني والنقد بدل أن يتلقي ما يروجه زعماء طائفته بيقينية عمياء تقارب إلى حد كبير إيمانية لا يشوبها الشك من ناحية، وما يروجه زعماء الطوائف المتصارعة مع طائفته على أن كله شر مطلق؟؟

العامل الداخلي والعامل الخارجي 2


حلقة نقاش
لبنان ديمقراطي علماني
آذار سنة 2007
نقاط نقاش حول العلاقة بين
العامل الداخلي والعامل الخارجي في الأزمة اللبنانية الراهنة (2)


ما تزال الأزمة السياسية اللبنانية تراوح، منذ عدة أشهر، عند نقطة التعليق إياها، بعد أن بات واضحاً أن مصادر هذا التعليق المديد للأزمة داخلية أولاً وأساساًً، وهذه تتعلق بصراعات الطوائف على السلطة والحكم من جهة، وهي أميركية – فرنسية وسورية من جهة ثانية. ومما يزيد الأمر صعوبة هو أن المساعي السعودية – الإيرانية معطوفة على دور الجامعة العربية لم تتوصل، حتى الآن، إلى تحقيق بدايات تفاهم بين الأطراف الطائفية المتصارعة تمكن من صياغة تسوية طائفية فيما بينها.
ماذا نقصد عندما نقول أن الأزمة اللبنانية الراهنة، والتي لم تجد تسوية لها حتى الآن بين الأجنحة الطائفية في الطبقة السياسية اللبنانية، هي أزمة داخلية أولا وأساساً؟
طبعاً، لا تقصد من هذا القول نفي دور وتأثير العوامل الخارجية الإقليمية والدولية في الأزمة اللبنانية الداخلية. فدور العوامل الخارجية واضح وثابت ولا حاجة للبرهنة على وجوده. ويكفي أن نرى أن كل فريق طائفي في إطار صراعه مع الطوائف اللبنانية الأخرى يستقوى بخارج ما تلتقي معه مصلحته الطائفية (كما يراها)، هذا من جهة. ومن جهة ثانية فإن لهذا الإستقواء ثمن كبير يدفعه البلد ككل ولا تدفعه فقط الطائفة التي تستقوي به. وغالباً ما يتحول في إطار هذا الإستقواء الخارج إلى عامل داخلي فاعل في السلطة وفي اتخاذ القرار والتأثير في صيغة تركيب النظام الداخلية وإرساء معادلة طائفية في البلد تتلاءم مع مصالحه. وغالباً ما يؤدي ذلك إلى خسارة البلد سلطته على قراره الداخلي. وذلك هو الثمن الأكبر الذي يمكن أن يدفعه البلد في إطار استقواء طوائفه بقوى خارجية إقليمية كانت أو دولية.
تتخذ العلاقة بين الطائفة والخارج الذي تستقوي به أشكال متعددة. وهي تتراوح، ووفقا ً للظروف واختلاف أو التقاء المصالح، بين تبعية الداخل للخارج وما يتبعها من إملاءات على الزعامات السياسية للطائفة أحياناً، إلى ممارسة الضغوطات الخارجية على هذه الزعامات في أحيان أخرى، وإلى منع الطائفة من عقد تسوية مع الطوائف الأخرى في ظرف معين، وإلى مرونة في التعامل مع الطائفة في ظرف آخر...
إذا للخارج دور هام وفاعل في الوضع الداخلي اللبناني، لكن هذا الدور، وهنا بيت القصيد، يرتكز أولا وأساسا على الانقسام الداخلي بين اللبنانيين وعلى انكشاف الطوائف اللبنانية على الخارج.
ويشكل هذا الانقسام قاعدة الفعل الخارجي في البلد، وبدونه لا يمكن أن يكون للقوى الخارجية مثل هذه الأدوار التي تقرر أحياناً في مصائرنا، هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية، فإن قوى الخارج لا يمكنها في الغالب، أن تفرض على حلفائها الطائفيين في الداخل، تسويات تتعارض مع رؤية هؤلاء الحلفاء لمصالحهم الطائفية. ومن ناحية ثالثة، فإن كل طائفة في صراعها في الطوائف الأخرى، تذهب غالباً في مطالبتها إلى الحد الأقصى، وتتجاهل الحدود التي يسمح بها ميزان القوى الواقعي في المعادلة الطائفية الداخلية. فلا حدود تقيد الشبق لديها إلى الهيمنة على السلطة والحكم وعلى الطوائف الأخرى. ففي عقلها تعشعش أوهام قدرتها تحقيق الانتصار الداخلي.
بهذا المعنى، نقول أن الأزمة اللبنانية الراهنة هي أزمة داخلية أولاً وأساساً، هي من صنع اللبنانيين أنفسهم وهي نتاج انقساماتهم وصراعاتهم الطائفية الموروثة والمستمرة منذ قرون. وعلى قاعدة هذا الانقسام بين اللبنانيين تخترق القوى الخارجية الداخل اللبناني مصادرة القرار ومتحكمة بمصائره.

إنني أطرح ما جرى تقديمه نقطة نقاش في الاجتماع ومعه النقاط الآتية:
1. هل يمكن القول أن مصادر هذا التعليق الطويل للأزمة اللبنانية هي داخلية أولاً وأساسا، وجوهرها يتعلق بصراعات الطوائف على السلطة والحكم (المحاصصة). وما هو تحديداً دور القوى الخارجية الأميركية – الفرنسية والسورية في تعقد الأزمة الداخلية؟
2. هل رؤية الطوائف ونوع وعيها لمصالحها تعين حدوداً لدور القوى الخارجية على الفعل في الداخل اللبناني أم أن قدرة هذه القوى على الفعل هي مطلقة ولا شيء يحدها؟
3. هل الانقسام بين اللبنانيين هو بسبب التدخلات الخارجية في شؤوننا الداخلية، أم أن الانقسام هو الأصل الموروث والمستمر منذ الإمارة والقائمقامتين وهو أساس تدخل القوى الخارجية في الداخل اللبناني؟
4. إذا كان صحيحا أن المساعي السعودية – الإيرانية والعربية فشلت حتى الآن في إنضاج تسوية داخلية بين اللبنانيين فهل يصح القول أن للدور السعودي – الإيراني والعربي حدوداً تتعلق بالبنى الطائفية الداخلية للبلد؟
5. هل يمكن أن نقرأ في الدور السعودي الراهن في فلسطين ولبنان والعراق على أن نتاج تباين نسبي في المصالح بين الولايات المتحدة الأميركية والسعودية وأن المسعى السعودي – الإيراني في لبنان هي نتاج تشابك ما في المصلحة بين إيران والسعودية وهو تشابك يتمحور حول معالجة الأزمات الداخلية لدول المنطقة؟
6. إذا كان صحيحاً أن الحركة الروسية الأخيرة في دول المنطقة تعبر في جانب منها عن احتمال دخول روسيا في صراع حرب باردة جديدة ضد مخاطر الإستراتيجية الأميركية في المنطقة وأوروبا على المصالح الروسية وعلى الأمن القومي الروسي، هل يمكن القول أن هذه الحركة يمكن أن تتجه، في المدى القريب، نحو صياغة علاقات تقوم على تقويم دعم روسي وازن لدول المنطقة، أم أن ثمار هذه الحركة لما تنضج بعد؟
7. بعد أن اتضح عجز الطبقة السياسية اللبنانية عن التوصل إلى تسوية بين أجنحتها الطائفية، أقترح أن نتناول بالنقاش قضايا السجال بين الطوائف كي نتوصل إلى رأي مشترك فيما بيننا حولها. وأبرز هذه القضايا:

- حكومةً الوحدة الوطنيةً والثلث المعطل: (ودائماً كانت الصيغة الطائفية للنظام تحمل هيمنة لطائفة ما تركز على مثالثة نصاب طائفي: مسيحي – سني – شيعي. وكان الإخلال بهذه الصيغة يفجر الأزمة الداخلية في البلد ومؤسسات الدولة
- بمعنى آخر أن الصيغة الطائفية للنظام كانت دائماً تقوم على هيمنة لطائفة ما تتعايش مع نصاب طائفي معطل. فالثلث المعطل ليس جديداً على نظام البلد. وعلى العكس، فلقد كان المعطل الطائفي حاضراً منذ الاستقلال في مختلف الصيغ التي تم تطبيقها. والاستشهاد بمقولات الديمقراطية والأكثرية البرلمانية رداً على الثلث المعطل هو استشهاد مضلل. فهكذا استشهادات تصح في بلد ديمقراطي ولا تصح في دولة طائفية.
المحكمة الدولية
رئاسة الجمهورية.
الانتخابات المبكرة والاستفتاء الشعبي.
المقاومة والصراع مع إسرائيل
فقد التخوين المتبادل: عملاء سوريا وإيران، وعملاء أميريكا وفرنسا
فقد مقولة الممانعة للمشروع الأميركي في المنطقة.
خطر الوصاية السورية – الإيرانية على لبنان.
استقلال لبنان.

الخلاصة : استقلال يقوم على مقومات ثلاث:
المواجهة الوطنية اللبنانية : للمشروع الاميريكي للمنطقة (الشرق الأوسط الكبير أو أي مشروع آخر) تكون برفض دخول لبنان في إطار هذا المشروع.
المواجهة الوطنية اللبنانية للوصاية الإقليمية على لبنان تكون برفض أية وصاية خارجية إقليمية من أي جهة أتت.
مشاركة اللبنانيين جميعاً في الدفاع ضد العدو الإسرائيلي وفي حماية الحدود اللبنانية وأن لا تُتركَ الطائفة الشيعية وحدها في القيام بهذه المسؤولية الوطنية.

العامل الداخلي والعامل الخارجي 1


حلقة نقاش
لبنان ديمقراطي علماني
شباط سنة 2007

نقاط نقاش حول العلاقة بين العامل
الداخلي والعامل الخارجي في الأزمة اللبنانية الراهنة (1)

نقطة نقاش:

تفسيراً لاستعصاء الأزمة اللبنانية الراهنة على الحل طرحت في البلد عدة وجهات نظر أبرزها اثنتان:
وجهة نظر أولى: نرى أن تحكم إيران وسورية بفريق من اللبنانيين هو مصدر تعقد الأزمة والسبب في استحالة التوصل إلى تسوية داخلية. وهذه وجهة نظر فريق 14 آذار الذي يرفض بشكل قاطع صيغة حكومة19 – 11.

وجهة نظر ثانية: وهي وجهة نظر فريق الثامن من آذار التي ترى أن ارتباط الأكثرية بالخارج الاميريكية – الفرنسي هو مصدر تعقد الأزمة واستحالة الحل وترى أن الاملاءات الأمريكي -الفرنسية على 14 آذار تمنع الوصول إلى تسوية داخلية. وبتمسك فريق الثامن من آذار بصيغة حكومية تقوم على قاعدة 19-11.

في تصريحه الأخير انحاز البطريرك الماروني إلى أصحاب وجهة النظر الأولى عندما انتقد في كلامه الاعتصام الذي تنظمه المعارضة والخيم المنصوبة في الساحات. وحمل هذا التحرك المسؤولية عن النزف في الاقتصاد وتعطيل مصالح الناس وإقفال المحلات وهجرة الشباب. وقال بأن اللبنانيين عاشوا على الدوام بتآخ وتعاون ومحبة. وهم اليوم منقسمون لأن هناك أطرافا خارجية تتدخل في شؤوننا وتمارس ضغوطاً على البعض. والتدخل الأساسي يأتي حسب رأيه من عند الجيران، فسورية التي خرجت من لبنان لا تزال موجودة فيه عبر أجهزتها، وعبر الضغوط التي تمارسها مع من يرون وأيها ويلتزمون مواقفها وهي تسعى للعودة إلى لبنان. وأن سوريا تمارس ضغوطاً كبيرة على فريق قريب منها كي يعرقل المحكمة الدولية ويمنع التوافق الداخلي للخروج من الأزمة الحالية. وأما الجنرال عون تفاهم مع "حزب الله" لاعتقاده أنه سيحصل على دعمه لرئاسة الجمهورية.
إن كلا وجهتي النظر هاتين تنطلقان من فكرة أن ما يعطل التوصل إلى تسوية داخلية هو خضوع الفريق الداخلي الآخر لإملاءات الخارج الذي يستقوي به على الخصم الداخلي. وأنه كي يمكن التوصل إلى تسوية داخلية لا بد من توقف هذا التدخل الخارجي في الشأن الداخلي.
وهكذا يحمل كل فريق إملاءات الخارج على الفريق الآخر وتبعيته له المسؤولية عن تعطل التسوية الداخلية.

في النقاش:
إلى أي مدى يمكن القول أنه إذا كان صحيحاً أن لكل من القوى الخارجية صلة ما بتعقد التسوية الداخلية اللبنانية، فإن كلا من وجهتي النظر هاتين بتحميلها المسؤولية للقوى الخارجية تقدم تعميه حول المصادر الداخلية الأساسية لتعقد التسوية بين الفرقاء الطائفيين؟
وبمعنى آخر: هي يمكن القول أن مصادر هذا التعليق الطويل للازمة هي داخلية أولا وأساساً، وهذه تتعلق بصراعات الطوائف على السلطة والحكم (المحاصصة) من جهة، وهي أميركية – فرنسية وسورية من جهة ثانية؟
وما هو تحديداً دور القوى الخارجية الأميركية والفرنسية والسورية في تعقد الأزمة الداخلية.؟
و هل توجد حدود لقدرة القوى الخارجية على منع عقد تسوية داخلية أم أن قدرتها مطلقة في هذا لمجال؟
و هل رؤية الطوائف ونوع وعيها لمصالحها هي التي تعين حدوداًَ لدور القوى الخارجية على الفعل في الداخل اللبناني أساسا؟
وهل يصح القول أن عجز المساعي السعودية – الإيرانية والعربية عن إنضاج تسوية داخلية في لبنان له علاقة بالبنى الطائفية اللبنانية؟
وبمعنى آخر هل من حدود للدور السعودي – الإيراني العربي تتعلق ببنى البلد الداخلية.
وهل الانقسام بين اللبنانيين هو بسبب التدخلات الخارجية في شؤوننا الداخلية.
أم أن الانقسام بين اللبنانيين هو أصل موروث ومستمر ، منذ الإمارة والقائمقاميتن وهو أساس الانكشاف اللبناني على الخارج وتدخل القوى الخارجية في شؤوننا؟.

الى مؤتمر العلمانين اللبنانين

نقاط نقاش إعداداً
لورقة حلقة نقاش لبنان ديمقراطي علماني
(لنبـدأ)
إلى مؤتمر العلمانيين اللبنانيين

أولا: التكوين الوطني المعاق للشعب اللبناني وللبناني كمواطن فرد وحرّ.
خلاصة ما انتهى إليه التطور الاجتماعي للجماعات اللبنانية على امتداد تاريخهم:
إن الأرجحية في البنى الاجتماعية اللبنانية لـ:
- كيان خاص بكل جماعة من الجماعات التي يتشكل منها اللبنانيون.
- نسبة عالية من الاستقلالية لكيان كل جماعة من الجماعات اللبنانية تجاه البلد ككل، وتجاه الجماعات الأخرى التي يتشكل منها لبنان.
- غلبة الانقسام الطائفي والانقسام حول الهوية اللبنانية على العلاقة بين الجماعات الطائفية اللبنانية.
- اختزال الجماعات الطائفية للأفراد وإلغاء مواطنية اللبناني وشأنه الخاص كإنسان فرد.
- لم يتوصل التطور الاجتماعي للبنانيين إلى درجة يصبح معها انتماء الفرد إلى وطنه هو الغالب وبحيث يصبح اللبناني شأنه كشأن أي مواطن في الدول المتقدمة، فرد حرّ له شأنه الخاص (كيانه الخاص) المستقل عن انتمائه الطائفي.

ثانياً: الطائفية نظام عام للبنانيين
1. نشأة النظام الطائفي: مع انهيار الإمارة الشهابية وقيام القائمقاميتين في جبل لبنان: القائقامية الدرزية والقائمقامية المسيحية. (حروب 1840 وما تلاها)
2. الحرب الأهلية 1860- المتصرفية (تدويل لبنان)
نظام المتصرفية هو صياغة جديدة مدوّلة للنظام الطائفي اللبناني الناشيء. والسمة الرئيسية في هذا النظام هي انه شمل كافة الطوائف اللبنانية الأخرى؛ مع المتصرفية لم يعد النظام الطائفي يقتصر على الدرزية والمسيحية.
3. الانتداب الفرنسي على لبنان:
- عودة الأقضية الأربعة التي سلخت عن حدود الإمارة إلى دولة لبنان الكبير.
- صياغة متجددة لنظام لبناني تحت الانتداب يرتكز على طائفية برلمانية.
4. دولة الاستقلال: كرست الطائفية نظاماً عاماً لحياة اللبنانيين.
ثالثاً: فشل نظام الطائفية البرلمانية: (نستعمل مصطلح الطائفية البرلمانية بديلاً عن مصطلح الديموقراطية التوافقية الرائج في الخطاب السياسي اللبناني، لأن مصطلح الديموقراطية التوافقية هو مصطلح خاطئ، (هرطقة في الديموقراطية) فعندما يصبح الحكم توافقياً لا يعود ديموقراطياً. ذلك أن التوافقية الطائفية تلغى الأساس لكل ديموقراطية: الإنسان-الفرد الحرّ كمواطن وذلك عندما تختزله في إطار الطائفة التي ينتمي إليها. كما أن هذه التوافقية الطائفية تُخرج من الحياة السياسية للبلد جميع اللبنانيين الذي يرون أن انتماءهم هو إلى لبنان – الوطن وليس إلى طوائفهم)
- فشل الطائفية البرلمانية في بناء وطن ومواطن حرّ وشعب موحد ودولة موحدة.
- فشل الطائفية البرلمانية في تحقيق عيش مشترك مستقر بين الطوائف اللبنانية.
- الانقسام وتفجر الصراعات العنيفة بين الجماعات الطائفية اللبنانية وتكرار الحروب الأهلية المدمرة في البلد هي السمة العامة التي تتحكم بحياة اللبنانيين في ظل سيادة هذا النظام الطائفي (الصراع على المحاصصة)
- الثمن الأكبر الذي يدفعه البلد في استمرار سيادة هذا النظام الطائفي هو هذا القيد الذي يحجز إمكانية دخول البلد في مسار يؤدي إلى تجاوز هذه المراوحة المديدة في تطوره الاجتماعي عند الدرجة الذي توقف عندها منذ القرن التاسع عشر: جماعات لبنانية مستقلة ومتجاورة، لكل منها كيان خاص يتمتع بنسبة عالية من الاستقلالية وتقيم فيما بينها علاقات تعايش في فترات معينة وعلاقات صراع حاد وحروب مدمرة في فترات أخرى.
- الإشكالية الرئيسية: إن لا مصلحة للطائفيات في تطور البلد وتقدمه باتجاه بناء فرد حرّ ومواطن كأساس لإنجاز الوحدة اللبنانية أولاً، وتجاوز هذه الإعاقة في التكون الوطني للشعب اللبناني ثانياً، وقيام دولة لبنانية موحدة ثالثاً.

رابعاً: التطور الديموقراطي العلماني هو الحل لأزمة البلد:
تطور متدرج وعملية صراع مديد لا عنفي، حل صعب المنال لكنه ممكن.

خامساً: من أين نبدأ: حول ضرورة حركة ديموقراطية علمانية مستقلة.

سادساً: في تعريف العلمنة اللبنانية:
1. العلمنة الأوروبية:
- الفصل بين النظام العام في المجتمع (وضمنه الدولة والسياسة والاقتصاد...) والسلطة الروحية.
- حياد الدولة تجاه الأديان، لا دين للدولة
- حماية الدولة للأفراد والجماعات لجهة تأمين حرية المعتقد وحرية ممارسة الشعائر والطقوس ضمن إطاراً عدم الإضرار بالنظام العام.
2. العلمنة الأوروبية هي حل للأزمات الآتية:
- أزمة السلطة: الصراع بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية على الأرجحية في السيادة السلطوية: للحاكم (الملك) أم لرجال الدين.
- أزمة الحروب الأهلية الدينية التي استمرت طويلاً.
- أزمة العلاقة بين المواطنين من أتباع الديانة التي تتبناها الدولة والمواطنون من إتباع الديانات الأخرى.
- أزمة العلاقة بين الدولة التي تنص على دين رسمي لها، والمواطنين من إتباع الديانات الأخرى.
3. في التباين بين لبنان وأوروبا:
- السلطة الروحية في لبنان ملتحقة بالسياسة الطائفية وبالنخب السياسية الطائفية (موروث إسلامي حيث يجمع الخليفة في شخصه السلطتين الزمنية والروحية)
- قبل القائمقاميتين كان البطريرك المسيحي يقوم بدور سلطة محلية زمنية ودينية (مثله كمثل السلطان أو الخليفة ضمن الإطار المحلي الصغير)
- مع نشأت القائمقاميتين انتقلت الأرجحية تدريجياً من البطريرك إلى الزعامة السياسية المسيحية.
- تفكك الدولة وفقاً لعلاقات المحاصصة بين الطوائف.
4.في تعريف العلمنة اللبنانية:
- الأساسي في العلمنة اللبنانية:
الفصل بين النظام العام في البلد (وضمنه السياسة والدول) وبين الطائفيات اللبنانية.
إذ أن الدولة لا دين رسمي لها، وهي حيادية فعلاً تجاه الأديان وتحمي حرية المعتقد وحرية الأفراد والجماعات في ممارسة الطقوس والشعائر، وإن التغيير الديموقراطي العلماني في لبنان على صعيد النظام العام والدولة والأفراد سيطال سلطات الطوائف أولاً وأساسا، في حين سيقتصر ما سيطال السلطات الروحية على مسألة القانون المدني الاختياري للأحوال الشخصية وقانون الزواج المدني الاختياري....
بالمقابل فإن تطور لبنان باتجاه العلمنة سيحرر السلطات الدينية من هيمنة السلطات الطائفية عليها، كما أن المعتقدات الدينية ستتحرر من الكثير من الشوائب والمفاهيم والأفكار الخاطئة التي تلحقها الطائفية بالأديان.

سابعاً: نحو صياغة نقاط لبرنامج عمل سياسي علماني:
ننطلق في النقاش من النقاط البرنامجية التي حملها مشروع العريضة التي جرى تقديمها إلى اجتماع "لقاء العلمانيين اللبنانيين" ولقد تضمن المشروع النقاط الآتية:
1. تطبيق اتفاق الطائف لجهة تمثيل اللبنانيين والقاضي بإنشاء مجلس نيابي غير طائفي يتم انتخابه على أساس المحافظة دائرة انتخابية وتكون المواطنة والنسبية قاعدتين أساسيتين في قانون الانتخاب المتعلق به من جهة وإنشاء مجلس شيوخ يتمثل فيه اللبنانيون وفقاً لمناطقهم وطوائفهم ويتم انتخابه على قاعدة الدائرة الفردية من جهة ثانية.
2. إقرار قانون موحد واختياري للأحوال الشخصية
3. إقرار الزواج المدني الاختياري بما يمكن إيجاد مساحات مشتركة بين اللبنانيين.
4. تطبيق استقلالية السلطة القضائية بشكل كامل ويكون ذلك بإلغاء سلطة الوصاية وسيطرة السلطة التنفيذية على القضاء على أن تنتخب السلطة القضائية من الجسم القضائي نفسه.
5. تطبيق مبدأ الكفاءة والنزاهة في الإدارات العامة واتخاذ قرارات لتفعيل مجالس الرقابة والتفتيش والخدمة مما يؤمن لهم استقلالية كاملة عن السلطة التنفيذية.

ثامناً: في الرد على مفاهيم وأفكار خاطئة حول العلمنة.

في 9/1/2006

مشروع نقاط برنامجية


مشروع نقاط برنامجية أولية لعمل سياسي ديمقراطي علماني

5/5/2006

تقديم:

تطرح هذه الورقة المسألة المتعلقة بإستحالة حل أزمة لبنان: الكيان – النظام الطائفي، والمستمرة منذ مئة وخمسة وستين عاماً، في إطار النظام الطائفي اللبناني. وترى أن حل هذه الأزمة لا يمكن أن يتحقق إلا بدخول لبنان في مسار تطور متدرج نحو الديموقراطية العلمانية. وهذا مسار صعب ومديد ولكنه ممكن.
وتحاول الورقة أن تطرح ما لديها في الأقسام الخمسة الآتية:

× نقد التعمية حقيقة الصراع السياسي الراهن في لبنان
× النظام الطائفي اللبناني: أزمة أصلية وإستحالة حل
× التغيير الديمقراطي العلماني هو الحل لأزمة لبنان: الكيان – النظام الطائفي
× مشروع نقاط برنامجية أولية لعمل سياسي ديمرقاطي علماني
× ضرورة برنامج متكامل لعمل ديموقراطي علماني
×
× أولاً: نقد التعمية حول حقيقة الصراع السياسي الراهن في لبنان:
يشهد لبنان في هذه اللحظة من تاريخه تفجراً جديداً في أزمة النظام الطائفي اللبناني المستمرة منذ حوالي مئة وخمسة وستين عاماً، أي منذ أن نشأ هذا النظام في اعقاب إنهيار الإمارة الشهابية وقيام نظام القائمقاميتين في جبل لبنان: القائميقامية الدرزية والقائمقامية المسيحية. ويؤشر هذا التفجر إلى أن لبنان يمر الآن في طور إنتقالي سمته الأساسية أن مرحلة سابقة من حياة النظام الطائفي اللبناني خضع فيها لبنان لوصاية النظام السوري ولهيمنه إسلامية كانت الأرجحية فيها للطائفية الشيعية، إنقضت؛ وأن صياغة نسخة جديدة من هذا النظام الطائفي هي الآن قيد مخاض صراعي عسير. ومن البديهي أنه في إطار هذا المخاض تنفلت جميع الطائفيات من عقالها وتصل التجاذبات السياسية بين الطوائف إلى ذروات تحمل معها مخاطر تضع البلد أحياناً على حافة تجدد الإقتتال الأهلي بين طوائفه، وتدخل القوى الخارجية منجدلة مع طوائف الداخل اللبناني في مواجهات تنتهي غالباً إلى تحقيق غلبة داخلية - خارجية جديدة تتبدل معها الهيمنات والتوازنات الطائفية السابقة في الداخل والوصاية على البلد من الخارج.
لا شك أن التوازنات الطائفية الجديدة التي سيخرج بها الصراع ستحمل توزيعاً جديداً للحصص بين الطوائف يكون في صالح الطوائف التي تحقق غلبة في هذا الصراع. ذلك أن جوهر الصراع الطائفي، وايا تكن المسائل السياسية التي يتمحور حولها وأيا تكن أهميتها، هو صراع على المحاصصة بين الطوائف أولاً وأساساً. أنه في حقيقته صراع على اقتسام المنافع والمغانم والامتيازات بين الزعامات والأجنحة الطائفية للطبقة السياسية المسيطرة على البلد. ألا يغلف الإنقسام اللبناني الراهن حول مسائل السيادة والإستقلال والعلاقة مع سوريا ومع الغرب، والمقاومة وحزب الله وسلاحه... إلخ؛ ألا يغلف هذا الانقسام في جانب كبير منه صراعاً على الحصص والتوزنات بين الزعامات والأجنحة الطائفية للطبقة السياسية المسيطرة على السلطة؟
والاخطر أن يتوسل البعض توظيف جرائم الإغتيال السياسي في تزخيم الصراعات الطائفية، أو أن تلجأ أطراف الصراع إلى أساليب الشحن والتعبئة الطائفية التي تضع اللبنانيين وجهاً لوجه على حافة الإقتتال فيما بينهم. في توزيع المغانم والمنافع والإمتيازات ومراكز النفوذ التي تخرج بنصيب طائفة ما في العملية الصراعية، يستحوذ زعماء الطائفة ونخبتها والحاشية المحيطة بالزعماء والنخبة على الحصة الأكبر، فيما يؤول الفتات إلى جمهور الطائفة. والمفارقة هي أن الجمهور يدفع الكلفة الكبرى في الصراع الطائفي. فالزعامات تزج به في أتون القتال، عندما يكون هناك قتال من ناحية. ويطاله، في معيشته وعمله وسكنه وحياته، ما يلحق بالبلد من قتل وتهجير ودمار وأزمات من ناحية ثانية، فيما يحصل هو على الفتات.
هكذا هي المعادلة دائماً في هذا النظام الطائفي منذ القائمقاميتين وحتى الآن، الجمهور الواسع، الأكثرية الكبيرة، هي وقود الصراع وهي التي تقدم التضحيات وتدفع الكلفة الكبرى، في حين يستحوذ زعماء كل طائفة ونخبتها والحاشية المحظوظة على النصيب الأكبر من الحصة التي تحصل عليها الطائفة من منافع ومغانم وإمتيازات ونفوذ ضمن إطار النظام الطائفي.
ينقد ما تقدم التعمية والأوهام التي تسود لدى جمهور واسع من اللبنانيين حول حقيقة الصراع السياسي الدائر في البلد الآن. وهي تعمية وأوهام تروج لها الخطب السياسة للطائفيات السياسية في البلد. وخلاصة الأمر أن الأرجحية في الصراع الدائر الآن، ليست بالتأكيد لقضايا السيادة والاستقلال والوحدة اللبنانية، ولا تتمحور أيضاً حول مسألة الصمود في مواجهة مشاريع الجراحة الأميريكية في كيانات ودول وشعوب البلدان العربية، ولا حول مسألة الوفاء لمن دعم المقاومة في لبنان، (ولا ننسى أنه أجهز عليها في الجولان في العام 1970). وعلى العكس فالذي يبدو في المشهد السياسي الواقعي، أن الطائفيات السياسية تنتهك دائماً، بإنكشافها الدائم، والمذل أحياناً، على الخارج كل ما له علاقة بالسيادة والاستقلال، وتنشر تعمية حول حقيقة دو رالنظام السوري في لبنان وأن الأصل فيه هو هذه الإجازة الأميريكية التي أعطيت له في العام 1976، والتي تجددت بعد اتفاق الطائف وبعد إندلاع الحرب الأميريكة الاولى على العراق. وتكفي المشاهد والهتافات التي قدمتها الحشود الملايينية من الضفتين حتى يتضح بسرعة كم ان الانقسام متجذر وعميق، وان الكثير من الفتيان والفتيات والشبان والصبايا بلغن بعصبيتهم الطائفية مرحلة الشيخوخة باكراً ولما ينضجوا بعد، كما ينكشف لنا ضحالة الفكر والوعي الذي نحمل وبؤس الجهالة التي تسكننا أو تسكنها أدمغتنا، وكم أن مستقبل البلد وابنائه مخيف ومرعب، وكم أن الماضي والتخلف والموروث الطائفي يمسك بقوة في الحاضر والمستقبل.
والسؤال الكبير الذي نطرح: أي مستقبل للبلد في ظل هذا النظام الطائفي وفي ظل سيطرة هذه الطبقة السياسية بكافة أجنحتها الطائفية؟ وأي إنسان سنكونه وهذه العصبية الطائفية المتزمنة الحاقدة تصادر العقل والوعي لدينا على إمتداد حياتنا؟

ثانياً: النظام الطائفي اللبناني: أزمة أصلية وإستحالة حل.
1. في الأصل كان واقع الانقسام الطائفي الأساس في تشكّل النظام الطائفي نظاماً عاماً للسكان في لبنان بعد إنهيار الإمارة الشهابية. فالبلد أفتقد، مع زوال الإمارة، العنصر الوحيد الذي قامت عليه وحدته منذ أن نشأت الإمارة: سلطة الأمير المرتكزة على عصبية قيسية من ناحية، وعلى مبايعة أمراء البلد وإقطاعييه من ناحية ثانية. لقد حافظت الجماعات التي سكنت لبنان قبل الإمارة وفي حقبة الامارة على قدر كبير من الإنفصال الاجتماعي عن بعضها، وهو ما جعل تطورها الإجتماعي يراوح عند درجة بدائية حالت دون تحقيق قدر من الاندماج الإجتماعي بينها يؤول بها إلى التكون شعباً موحداًًًًًً.
وبتعبير آخر، عند زوال الإمارة، لم تكن الجماعات التي تسكن لبنان قد إندمجت بعد مع بعضها إلى درجة يمكن معها القول أنها أصبحت تشكل شعباً واحداً.
لقد كانت الدول الأوروبية، بعد زوال الإمارة، أساس تركيب الكيان الجديد للبلد وتركيب نظام حياته العام من مادة الانقسام الطائفي اللبناني. فجيوش أساطيل الدول الأوروبية هي التي ازالت الإمارة من خارطة المنطقة. وفي إطار الصراع بين هذه الدول على إقتسام تركة الأمبراطورية العثمانية جرى تقسيم الإمارة إلى قائمقاميتين. وبعد الحروب الأهلية الطائفية (1840-1860) ركبت الدول الأوروبية وتركيا متصرفية جبل لبنان ووضعت نظاماً طائفياً عاماً لحياة اللبنانيين (بروتوكول 1864). وكانت فرنسا الأساس في تركيب لبنان الكبير وفي إقرار نظام طائفي جديد لحياة اللبنانيين يرتكز على طائفة برلمانية. وفي دولة الإستقلال كرس اللبنانيون لأنفسهم الطائفية نظاماً عاماً للحياة.
يبدو أن اللبنانيين إزاء إشكالية بنيوية إذاً. فالكيان اللبناني لم يولد نتيجة إنصهار الجماعات المكونة له في شعب واحد، بقدر ما كان للإرادات والمصالح الدولية دور أساسي في تأسيسه. هذا يعني أن الكيان اللبناني تأسس في الأصل على أزمة: أزمة الإنقسام بين جماعاته الطائفية المكونة له. وهذه الأزمة هي أصل تشكل النظام الطائفي اللبناني أيضاً، وأساس إستمراره حتى الآن. إنها، أي هذه الأزمة، هي أساس قوة النظام الطائفي وسبب رسوخه وثباته وعنصر إضعافه في آن.
في إطار إستمراه ، يعيد النظام الطائفي إنتاج الإنقسامات والصراعات الطائفية بين اللبنانيين. هكذا يستمر اللبنانيون في الدوران في حلقة مفرغة منذ مئة وخمسة وستين عاماً:
الإنقسامات الطائفية بين اللبنانيين تجدد إنتاج النظام الطائفي اللبناني، والنظام الطائفي يعيد إنتاج الإنقسامات الطائفية بين اللبنانيين. والمشكلة الكبرى أن اللبنانيين متمسكون بالطائفية نظاماً عاماً للحياة والكيان. وهو ما يحجز الإندماج الإجتماعي فيما بينهم ويعلق التكون الوطني للبنانيين شعباً واحداً إلى أمد غير منظور. إن هذه إشكالية لن تجد حلاً لها داخل النظام الطائفي اللبناني. وحلها يبدأ بتكون اللبناني مواطناً خارج طائفة. وهذا يعني أن الحل يكون بتحول إبن الطائفة إلى لبناني حقيقي، إنتماؤه إلى لبنان الوطن أولاً وأخيراً. إنه لا شك حلّ من طبيعة وطنية مضادة للطائفية ولمصالح الزعامات والنخب الطائفية والطبقة السياسية التي تتربع على رأس الهرم في النظام الطائفي.

2. فشل النظام الطائفي اللبناني، على إمتداد تاريخه، في حل أزمة الإنقسامات والصراعات الطائفية وصهر اللبنانيين في شعب واحد وبناء المواطن الحرَّ والدولة، وتحقيق عيش مشترك مستقر بين الطوائف اللبنانية. وعلى العكس، فلقد كان تاريخ هذا النظام، تاريخ حروب ومذابح طائفية وتهجير ودمار وخراب طاول مدن وبلدات وقرى لبنان.
منذ مذابح العام 1940، والحروب الطائفية تتكرر في البلد كل عدد من السنين. وغالباً ما تحتدم الصراعات السياسية بين الطوائف وترتفع وتيرة الشحن والتعبئة الطائفية لدى اللبنانيين في فترات السلم الأهلي، ويساهم ذلك في التحضير لقتال جديد قادم.
مع كل حرب ومع كل إحتدام في الصراع السياسي بين الطوائف، كان الإنقسام بين اللبنانيين يتجذر ويصبح أكثر عمقاً، وكان البلد يرتد إلى الوراء مبدَّداً ما كان قد أنجز على طريق تأسيس وحدة لبنانية في فترات الهدوء والإستقرار. (تبدد الوحدة العمالية والحركة الطلابية التي تحققت قبل العام 1975 في دولة الإستقلال).
كما فشل النظام الطائفي اللبناني في تحقيق إستقلال حقيقي للبلد. والحال، أن جميع الزعامات الطائفية والنخب الطائفية للطبقة السياسية السائدة منكشفة على الدول الخارجية. وإن الشطر الأكبر من القرارات في القضايا الكبرى المتعلقة بحياتنا ومصيرنا وحاضرنا ومستقبلنا تتخذ خارج البلد. ذلك أن الوصاية الخارجية على البلد هي في أساس النظام الطائفي. وإن خضوع الزعامات الطائفية واركان الطبقة السياسية السائدة لوصايات خارجية هو النهج الذي إعتمد منذ أن نشأ هذا النظام الطائفي. فكل طائفية سياسية تستقوي بخارج ما من أجل زيادة نفوذها في الداخل وتقوية وزنها في المعادلة الطائفية.
كذلك تتحمل الزعامات الطائفية والأجنحة الطائفية للطبقة السياسية السائدة المسؤولية عما آل إليه وضع البلد في الشأن الإقتصادي – الاجتماعي من نهب وهدر وتوزيع للمنافع والمغانم ومسرفات وتخريب في القطاع العام .. إلخ؛ وهو ما شكل شطراً كبيراً من المديونية التي ترتبت على البلد، وسبباً لتفاقم الأزمة الإقتصادية ووصولها إلى مستويات قد تستحيل المعالجة معها.
إن الثمن الأكبر الذي يدفعه البلد في إستمرار سيادة في هذا النظام الطائفي، هو هذا القيد الذي يحجز إمكانية دخول البلد في مسار يؤدي إلى تجاوز هذه المراوحة المديدة في تطوره الاجتماعي عند الدرجة التي توقف عندها منذ القرن التاسع عشر: جماعات لبنانية مستقلة ومتجاوزة، لكل منها كيان خاص يتمتع بنسبة عالية من الإستقلالية وتقيم فيما بينها علاقات تعايش في فترات معينة، وعلاقات صراع حاد وحروب مدمرة في فترات كبرى.
وتتبدى الإشكالية الرئيسية في أن لا مصلحة للطائفيات السياسية في تطور البلد وتقدمه بإتجاه بناء فرد حر ومواطن كأساس لإنجاز الوحدة اللبنانية أولاً، وتجاوز هذه الإعاقة في التكون الوطني للبنانيين شعباً موحداً ثانياً، وقيام دولة لبنانية موحدة ثالثاً.

3. ثبت في التجربة التاريخية أن روحية العيش المشترك الميثاقية بين الجماعات الروحية التي يتكون منها لبنان، والتي يجري تقديمها في تبرير وجود النظام الطائفي، وسبباً للتمسك به "نموذجاً حضارياً فريداً" كما يقال، تبث في التجربة أن هذه الروحية، كانت أعجز من أن تعالج مسائل الإنقسام بين اللبنانيين.
فالإشكالية في الأساس بنيوية تثبت إستحالة حل الأزمة الأصلية: أي أزمة الإنقسامات بين اللبنانيين، ضمن إطار النظام الطائفي اللبناني.

4. لا يبدو حتى الآن، أن خلاص البلد من أحكام الصراع الطائفي يمكن أن يتحقق في المدى المنظور. فهذا الصراع سيستمر إلى ان يصل اللبنانيون في تطورهم إلى درجة من النضج الإجتماعي والعقلانية المتنورة يمكن معها أن نقضي بأمر هذا الصراع. لذلك فإن أي تسوية جديدة يمكن أن تصل إليها الزعامات الطائفية، بالحوار الدائر الآن أم بوسائل أخرى، لن تأت بحل لأزمة النظام الطائفي. فهذه لن تجد حلها إلا على صعيد تغيير بنيوي لا تعالجه عادة، تسويات تحمل تفاهماً على المحاصصة الطائفية يتوافق مع توازنات الظرف الراهن في حينه.
نادراً ما تأتي التسويات الطائفية بالاستقرار الموعود للبلد. فالطوائف تميل بطبيعتها إلىالتملص من أحكام أية تسوية والتفلب من الوفاء عما وافقت عليه. وتسعى كل طائفة إلى ترجمة التسوية وفقاً لمصلحتها. فاللحظة التي يجف فيها حبر التوقيع على التسوية هي اللحظة التي تبدأ فيها عناصر المضمر لدى كل طائفة بالانكشاف ببطء. ويوماً بعد يوم ينكشف أن عناصر الخلاف بين الطوائف حول رؤية كل منها للتسوية هي أكثر من عناصر الإتفاق. فكل طائفة تحاول أن تلوي بنود التسوية لصالحها على حساب مصالح الطوائف الأخرى. ولهذا لا تصمد التسويات الطائفية في لبنان ويدب الخلاف حولها قبل أن يبدأ تطبيقها. وينكشف تباعاً أن التسوية الجديدة تضيف إلى أزمة النظام الطائفي عناصر تفجير جديدة.
مرة أخرى، نحن إزاء إستحالة صياغة تسويات طائفية، راسخة وتمتلك ثباتاً نسبياً من مادة النظام الطائفي إياه وضمن إطاره.
5. ننتهي إلى أن التكوين الوطني المعاق للشعب اللبناني وللإنسان كمواطن حر، هو جوهر أزمة لبنان الكيان والنظام السياسي الطائفي في آن. وأن خلاصة ما إنتهى إليه التطور الاجتماعي في لبنان هو هذه المراوحة المديدة عند الدرجة التي بلغها في القرن التاسع عشر حيث الغلبة في البنى الاجتماعية لا تزال لعناصر الانقسام الطائفي والانقسام حول الهوية اللبنانية، وفي إطار هذا الانقسام تختزل الطائفة الفرد وتلغي المواطنة، كما تتمتع بحيز كبير من الاستقلالية تجاه البلد وتجاه طوائفه الأخرى بصفتها كيان مختلف ومتميز عن الآخر.

ثالثاً: التغيير الديمقراطي العلماني هو الحل لأزمة لبنان: الكيان – النظام الطائفي
لن تجد أزمة لبنان الكيان – النظام الطائفي حلاً لها داخل النظام الطائفي اللبناني. فالحل يبدأ بتكون اللبناني مواطناً خارج طائفته، وهذا يعني أن يتحول إبن الطائفة إلى لبناني حقيقي، إنتماؤه إلى لبنان – الوطن اولاًوأخيراً. هذا من ناحية.
من ناحية ثانية، نرى أن تحديث التمثيل السياسي اللبناني، بحيث يعكس هذا التمثيل التعددية الواقعية والفعلية الموجودة في المجتمع اللبناني، يطور البلد بإتجاه يؤدي تدريجياً إلى التمكن من حجز إحتمالات تفجر الأزمة اللبنانية في البلد صراعاً سياسياً محتدماً وإقتتالاً. وبديلاً عن ذلك ينقل التحديث الصراع السياسي إلى داخل المؤسسات التمثيلية.
من ناحية ثالثة، إن تحديث التمثيل السياسي يفترض تحرير إستحقاق رئاسة الجمهورية اللبنانية من تدخل دول الخارج ووصايتها، ومن الصفقات والمساومات بين الزعامات والكتل الطائفية في المجلس النيابي ومن البازار والابتزاز المذل الذي تخضع له البلاد، واللبنانيين جميعاً عند كل إستحقاق رئاسي. كما يفترض تحرير الإرادة الشعبية من هذه الاختزالية النيابية المديدة التي فرضت على اللبنانيين. وذلك يكون بأن يتم إنتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية من الشعب مباشرة.
إن معالجة الازمة اللبنانية يطرح مسائل علمنة القضاء واستقلاليته عن وصاية السلطة التنفيذية وانتخاب السلطة القضائية العليا من الجسم القضائي نفسه ومنحها كل الصلاحيات المتعلقة بعمل الجسم القضائي وشؤونه المالية والادارية.
كما تطرح معالجة الأزمة اللبنانية أيضاً، مسائل تحديث قوانين الاحوال الشخصية والزواج وتحديث مؤسسات الدولة واداراتها ومؤسسات القطاع العام.
إن تحقيق التحديثات المقترحة، وإن كانت لا تنتقل بالبلد إلى ديموقراطية علمانية متكاملة، إلا أنها تضعه في مسار تطور صراعي سلمي متدرج ومديد على طريق حل أزمة لبنان الكيان – النظام الطائفي. إن تحقيق حل ديموقراطي علماني متكامل للأزمة اللبنانية هو حل صعب، لكنه ليس بالمستحيل. وعلىالعكس، فالتجربة التاريخية على إمتداد مئة وخمسة وستين عاماً أثبتت أن التطلع نحو معالجة للازمة اللبنانية في إطار النظام الطائفي اللبناني هو الحل المستحيل.
إن كل ذلك يطرح ضرورة حركة ديموقراطية علمانية مستقلة فعلاً.

رابعاً: مشروع نقاط برنامجية أولية لعمل سياسي ديمرقاطي علماني
إنطلاقاً مما حملته هذه الورقة تطرح "حلقة نقاش لبنان ديمقراطي علماني – لنبدأ" النقاط البرنامجية الآتية:
1. في مجال التمثيل السياسي:
‌أ. تطبيق اتفاق الطائف لجهة تمثيل اللبنانيين والقاضي بإنشاء مجلس نيابي غير طائفي يتم انتخابه على أساس المحافظة دائرة انتخابية وتكون المواطنة والنسبية قاعدتين أساستين في قانون الانتخاب المتعلق به من جهة، وإنشاء مجلس شيوخ يتمثل فيه اللبنانيون وفقاً لمناطقهم وطوائفهم ويتم إنتخابه على قاعدة الدائرة الفردية من جهة ثانية.
‌ب. انتخاب رئيسا لجمهورية اللبنانية بالاقتراع الشعبي المباشر.
‌ج. تخفيض سن الانتخاب إلى ثمانية عشر عاماً
‌د. وضع تنظيم للاعلام والدعاية الانتخابية على قاعدة المجانية وبما يؤمن فرص متساوية ومتكافئة لجميع اللوائح والمرشجين.
‌ه. إلغاء الضمانة المالية


2. على الصعيد القضائي.
‌أ. إلغاء وصاية السلطة التنفيذية علىالقضاء وحصر صلاحية وزير العدل بتوجيه النيابات العامة
‌ب. إنتخاب السلطة القضائية من الجسم القضائي بالاقتراع السري المباشر مرة كل سنتين.
‌ج. جعل السلطة القضائية المنتخبة المرجع الوحيد في تنظيم وإدارة عمل القضاء في جميع الشؤون بما فيها الشأن المالي. والاشراف على كيفية تنفيذ الاحكام وتطبيقها وحفظ الحقوق الإنسانية للمساجين وتحديث القوانين المتعلقة بها وإصلاح السجون بما يحفظ الكرامة الإنسانية للمساجين.
‌د. إلغاء الطائفية في القضاء
‌ه. جعل السلطة القضائية المرجع الوحيد في تنظيم وادارة عمل معهد القضاء.

3. على صعيد الأحوال الشخصية:
وضع قانون مدني إختياري للأحوال الشخصية
وضع قانون زواج مدني إختياري
4. على صعيد الادارة:
- وضع برنامج خطة عمل لإصلاح وتحديث الإدارة وفقاً للقواعد الآتية:
- إلغاء طائفية الوظيفة
- تطبيق مبدأ الكفاءة والنزاهة والمستوى التعليمي في الادارات العامة.
- تفعيل مجالس الرقابة والتفتيش والخدمة وإخضاع عمل هذه المجالس لإشراف ورقابة ووصاية السلطة القضائية.
- إقرار حرية العمل النقابي لموظفي الدولة والقطاع العام.

خامساً: ضرورة برنامج متكامل لعمل ديموقراطي علماني
نسجل أخيراً الحاجة إلى نقاش وصياغة نقاط برنامج متكامل لعمل الديموقراطية العلمانية في لبنان يتناول بالمعالجة كافة القضايا والشؤون التي تتعلق بحياة ومصير لبنان واللبنانيين في كافة المجالات والمسائل الكيانية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية والبيئية والنقابية العمالية والمهنية والزراعية.

حلقة "نقاش لبنان ديموقراطي علماني – لنبدأ"